مرضى غسيل الكلى إنسانيّة متوارية خلف أسوار النّسيان

مرضى غسيل الكلى  إنسانيّة متوارية خلف أسوار النّسيان


عشر سنوات من المعاناة مرت على مريضة الفشل الكلويّ (م.ش) فلسطينية الجنسية، وهي تكافح يوماً بعد يوم، فقد عانت من أصعب المشاكل الصّحّيّة التي قد يواجهها الإنسان في حياته، وهي القصور الكلويّ، أو ما يعرف "بالفشل الكلويّ"؛ والذي يؤدّي إلى فشل الكلى بأداء وظائفها بالشكل المطلوب، والاضطرار إلى البدء بجلسات غسيل الكلى.

بدأت معاناة المريضة، البالغة من العمر أربعين عاماً، عندما توقّفت كليتيها عن العمل، فتقطّعت بها السّبل. وما كان منها إلا اللّجوء لإجراء عمليّة زراعة كلية جديدة، إلا أنّ جسدها سرعان ما رفض العضو الجديد، فبدأت رحلتها الشّاقّة مع جلسات غسيل الكلى الدّوريّة.

تضطرّ المريضة إلى مغادرة سكنها، الواقع في التّجمّع الفلسطينيّ (وادي الزينة)، في جبل لبنان، ثلاث مرّات أسبوعياً، متّجهة إلى مستشفى الهمشريّ في صيدا/ جنوب لبنان، لخوض غمار هذه الجلسات الصّعبة، والتي تستمرّ ثلاث ساعات، وكثيراً ما تكون مصاحبة للآلام الجسديّة والنّفسيّة.

تمرّ المريضةُ خلال هذه المعاناة بالعديد من التّحدّيات، أهمّها التّكاليف المرتفعة لتحصيل الحدّ الأدنى من العلاج، حيث تحتاج شهريًّا لمليوني ليرة لبنانية (2,000,000 ل.ل.) لتغطية نفقات العلاج من أدوية ومواصلات، عدا النفقات الحياتيّة الأخرى من إيجار السّكن والمأكل وغيره، في حين يبلغ دخل زوجها الشّهريّ مليون وخمسمائة ألف ليرة لبنانيّة فقط (1,500,000 ل.ل.)؛ ما يضعهما في عجز ماليّ مُستديم.

وتزداد حالتها الصّحّيّة سوءاً يوماً بعد يوم، حيث إنّها لم تراجع طبيبها المعنيّ بمتابعة حالتها الصّحّيّة منذ نحو سنتين، نتيجة الظّروف الاقتصاديّة الصّعبة، فضلاً عن عدم قدرتها على شراء جميع الأدوية المطلوبة بسبب ارتفاع أسعارها، ما أدّى لإصابتها بفقر الدّم نتيجة غياب هذه الأدوية... كذلك أصيبت بالضّعف الشديد في السّمع بسبب مضاعفات تناول الأدوية المختلفة طيلة فترة العلاج التي لا تتوقف. وأصبحت الآن مهدّدة بالطّرد من منزلها لعدم قدرتها على سداد إيجار المنزل، بالإضافة إلى تحدّيات جديدة غير معروفة يخبّئها لها المستقبل...

إنّ أزمة اللّاجئين الفلسطينيّين في القطاع الصّحّي ليست بجديدة، والحقّ في تأمين العلاج الطّبيّ هو من أبرز ما يفتقده اللّاجئ الفلسطينيّ في لبنان، فهي ليست حالة فريدة من نوعها، بل هي واحدة من مرضى كثر يبلغ عددهم قرابة المائة والخمسين مريضًا، يعيشون نفس الألم والمعاناة وسط المجتمع الفلسطينيّ في لبنان، والذي يملك خيارات محدودة جدّا لعلاج مرضى الكلى، حيث إنّ جلسات غسيل الكلى متوفّرة فقط في مستشفيين اثنينِ من مستشفيات جمعيّة الهلال الأحمر الفلسطينيّ: مستشفى صفد في مخيّم البداوي، ومستشفى الهمشريّ في صيدا، وتُقدّم الجلسات فيهما مجّانا بدعم من مؤسّسة التّعاون (WELFARE ASSOCIATION) التي أنشأها مجموعة من الشّخصيّات الاقتصاديّة والفكريّة الفلسطينيّة والعربيّة، في مقابل غياب أيّ دعم من قبل الأونروا لمثل هذه الحالات.

لذا، فالمرضى الفلسطينيُّون في مخيّمات الشّمال يضطّرون إلى التّوجّه لمستشفى صفد، في حين يتّجه المُقيمونَ في مخيّمات بيروت والجنوب إلى مستشفى الهمشريّ. أمّا المرضى في باقي المحافظات فوجهتهم المستشفيات الحكوميّة والخاصّة التي تُغطّي وزارة الصّحّة اللّبنانيّة تكلفة الغسيل فيها. وبالرغم من توفّر فرص الغسيل بشكل مجانيّ، إلا أنّ مرضى غسيل الكلى ما زالوا يعانون أشدّ المعاناة، نظرا للارتفاع المستمرّ في كلفة المواصلات والأدوية، فضلا عن الانقطاع الكبير في بعض الأدوية.

وفي هذا الواقع، فإنّنا في المؤسّسة الفلسطينيّة لحقوق الإنسان (شاهد)، ومن خلال عملنا كمؤسّسة حقوقيّة، نرصد تقصيراً واضحاً في ضمان هذا الحقّ للّاجئين الفلسطينيّين في لبنان، وتقع مسؤولية هذا التّقصير على جهتين اثنتيْنِ بشكل رئيسيّ:

-أمّا الجهة الأولى، فهي وكالة (الأونروا)، التي لا تلبّي الحاجات الصّحّيّة والطّبّية للمرضى بالشّكل المطلوب، وبشكل خاص في ظلّ هذه الأوضاع الصّعبة من غلاء وانقطاع للدّواء في لبنان.

-أمّا الجهة الثّانية، فهي منظّمة التّحرير الفلسطينيّة التي تتحمّل مسؤوليّة وطنيّة وأخلاقيّة تجاه مجتمع اللّاجئين، فهي ممثّل رسميّ عن الشّعب الفلسطينيّ، ويقع عليها العديد من الواجبات تجاهه، وبشكل خاص فئة اللّاجئين المهمّشة.

أمام هذه المعاناة الإنسانيّة الكبيرة فإنّنا، في المؤسّسة الفلسطينيّة لحقوق الإنسان (شاهد) ندعو إلى ما يلي:

1. ندعو وكالة الأونروا إلى متابعة حالات مرضى الفشل الكلويّ، والمساهمة في تأمين الدّواء لهم، وتوفير كلّ المصاريف المرتبطة بعملية غسيل الكلى بما فيها مصاريف المواصلات.

2. ندعو جمعيّة الهلال الأحمر الفلسطينيّ لتزويد جميع مستشفياتها على أراضي الجمهوريّة اللّبنانيّة بمعدّات وأطقُم طبّيّة مختّصة بغسيل الكلى.

3. نحثّ مؤسّسات المجتمع المدنيّ، التي لديها برامج وأنشطة صحّيّة، أن تدعم مرضى الفشل الكلويّ.

بيروت في 2021/12/27

المؤسّسة الفلسطينيّة لحقوق الانسان (شاهد)