الملخص التنفيذي
تشهد إسرائيل ولبنان منذ 2 آذار/مارس 2026 تصعيداً سريعاً اتّسم
بأوامر إخلاء واسعة وضربات جوية مكثفة وتمدّد آثار القتال إلى مناطق حضرية. وقد
ولّد هذا السياق موجات نزوح داخلية واسعة في لبنان، إذ تشير بيانات وحدة إدارة
مخاطر الكوارث التابعة للحكومة اللبنانية إلى أن عدد النازحين المسجلين بلغ 816,700شخص حتى 11 آذار/مارس 2026، من
بينهم 125,800 شخص يقيمون في 590 مركز
إيواء جماعي، فيما توزّع الباقون على منازل أقاربهم أو مساكن مؤقتة. وقد حدث هذا
النزوح خلال أقل من عشرة أيام من بدء التصعيد، ما فاقم هشاشة البنية الخدمية
والقدرات الحكومية المحدودة أصلاً، وأنتج ضغطاً حاداً على منظومة الملاجئ والمدارس
والخدمات العامة في مختلف المناطق اللبنانية[1].
ضمن هذه الأزمة، يظهر نزوح اللاجئين الفلسطينيين (ومنهم فلسطينيون
نازحون من سوريا) كأحد أشكال "النزوح داخل النزوح"، حيث انتقلت عائلات
فلسطينية من مخيمات الجنوب وبيروت إلى مخيمات الشمال أو إلى مراكز إيواء تديرها
الأونروا أو مبانٍ عامة، مع تداخل واضح بين مسارات النزوح الفلسطيني والنزوح
اللبناني والسوري إلى المخيمات أو منها[2].
وتشير أبرز الأرقام المتاحة حتى 14 آذار/مارس 2026 إلى تسجيل
1,567 نازحًا فلسطينيًا (436 عائلة) داخل
مراكز الإيواء الطارئة التي تديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين
الفلسطينيين (الأونروا) في لبنان حتى نحو 10 آذار/مارس2026، موزعين على مركز في
سبلين/مجمّع مدارس مجاور في محيط صيدا إضافة إلى مدرسة بتير في شمال لبنان.
كما سُجّل نزوح
290 عائلة (1,015 فرداً) من مخيمات صور (الرشيدية وبرج الشمالي والبص) إلى مراكز
الإيواء منذ 2 آذار/مارس .2026
كذلك انتقلت
52 عائلة فلسطينية (201 فرد) من بيروت إلى
مخيمَي ضبية ومار إلياس منذ بداية التصعيد.
وفي الوقت نفسه، استقبلت مخيمات الشمال موجات نزوح إضافية خارج منظومة
الملاجئ الرسمية، إذ وصلت 350 عائلة فلسطينية إلى مخيم نهر البارد قادمة من مخيمات
بيروت والجنوب وفق إحصاءات اللجان الشعبية في المخيم، كما وصلت 230 عائلة فلسطينية إلى مخيم البداوي، مع مؤشرات
إلى فجوة إغاثية وتأخر في فتح مرافق ومدارس لإيواء الوافدين الجدد . وفي الجنوب
أيضاً، شهد مخيم الرشيدية تدفّقاً مختلطاً للنازحين، حيث استقبل 234 عائلة (1,014
شخصاً) تضم 71 عائلة فلسطينية و6 عائلات من فلسطينيي سوريا، إضافة إلى عائلات
لبنانية وسورية ومصرية. وتشير البيانات إلى وجود 372 طفلاً و26 مسناً و17 شخصاً من
ذوي الإعاقة ضمن مجموع القادمين، ما يعكس تركّز الاحتياجات لدى الفئات الأكثر
هشاشة.[3]
وتتأتى المخاطر الرئيسية على النازحين الفلسطينيين من عدة عوامل
مترابطة تشمل محدودية خيارات السكن الآمن وارتفاع الإيجارات والتكدّس داخل
المخيمات، وتراجع بعض خدمات الأونروا الأساسية في مجالات الصحة والتعليم وجمع
النفايات في المناطق المتأثرة، إضافة إلى الضغط المتزايد على خدمات المياه
والنظافة داخل المخيمات ومراكز الإيواء. كما تتفاقم التحديات المرتبطة بالحماية
الاجتماعية والنفسية، بما في ذلك الصدمات النفسية وحماية الطفل في البيئات
المكتظة، فضلاً عن القيود القانونية والهيكلية المزمنة التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون
في لبنان في مجالات العمل والملكية والضمان الاجتماعي، إضافة إلى المخاطر الأمنية
المباشرة المرتبطة بالقصف وأوامر الإخلاء والتقارير الميدانية حول استخدام أسلحة
ذات آثار إنسانية خطرة في بعض المناطق المتأثرة[4].
الإطار والسياق
ومنهجية البيانات
تعريف "النازحين
الفلسطينيين اللاجئين في لبنان" في هذا التقرير:
يشمل التقرير
فئتين أساسيتين:
1.لاجئو فلسطين المقيمون في لبنان (المسجّلون تاريخياً لدى الدولة
اللبنانية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا،
والمقيمون في المخيمات أو التجمعات الفلسطينية).
2.فلسطينيو سوريا في لبنان
(اللاجئون الفلسطينيون الذين نزحوا من سوريا إلى لبنان منذ اندلاع الأزمة السورية
عام 2011)، وذلك بالنظر إلى ظهورهم ضمن تدفقات النزوح الحالية، كما يظهر في بيانات
الوصول إلى بعض المخيمات، ومنها تسجيل وجود 6 عائلات من فلسطينيي سوريا ضمن
الوافدين إلى مخيم الرشيدية خلال موجات النزوح الأخيرة.
النقطة الزمنية:
يعتمد التقرير نقطة مرجعية زمنية هي 14 آذار/مارس 2026. وبالنظر إلى
الطبيعة الديناميكية للأزمة، فإن الأرقام المتعلقة بالنازحين أو الضحايا أو
الملاجئ تبقى متغيرة يومياً، ولذلك تُعرض البيانات في هذا التقرير على شكل لقطات
زمنية أو نطاقات تقديرية مع الإشارة إلى مستوى الثقة في المصدر كلما أمكن[5].
منهجية جمع
البيانات والتحقق منها:
اعتمدت الإحاطة في المقام الأول على المعطيات التي جمعها مندوبي
المؤسسة في الميدان داخل المخيمات الفلسطينية والتجمعات المحيطة بها، حيث قاموا
برصد تطورات النزوح وتحركات العائلات وتوثيق احتياجات الفئات الأكثر هشاشة
بالتعاون مع اللجان الشعبية المحلية وممثلي المجتمع داخل المخيمات.
وفي موازاة ذلك، جرى توظيف مصادر أممية وإنسانية موثوقة لتقدير السياق
الكلي للنزوح وتطورات الوضع الإنساني في لبنان، بما في ذلك موجز المفوضية السامية
للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول التطورات الطارئة(Flash Update) ، وتحديثات منظمة الأمم
المتحدة للطفولة (اليونيسف)، إضافة إلى بيانات وتقارير منظمة الصحة العالمية
ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فضلاً عن تقييمات اللجنة الدولية
للصليب الأحمر حول الأوضاع الإنسانية والخدمات الأساسية في مناطق النزوح[6].
أما في الشق القانوني والحقوقي، فقد استند التقرير إلى مواد وتحليلات
صادرة عن لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني بشأن الإطار القانوني لوضع اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان، إضافة إلى تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش التي توثق القيود
القانونية والتمييز التاريخي الذي يواجهه اللاجئون الفلسطينيون في مجالات العمل
والملكية والضمان الاجتماعي، وما يترتب على ذلك من تأثير مباشر في قدرتهم على
الصمود أثناء الأزمات والنزاعات[7].
اعتمد التقرير
لتحديد خط الأساس السكاني للاجئين الفلسطينيين في لبنان على نتائج "التعداد العام
للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان 2017" الصادر عن لجنة
الحوار اللبناني – الفلسطيني بالتعاون مع إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز
المركزي للإحصاء الفلسطيني، باعتباره المرجع الإحصائي الرسمي الأكثر تفصيلاً على
مستوى المخيمات والتجمعات الفلسطينية. كما جرى الاستئناس أيضاً بالمصادر الميدانية الرقمية الأخرى ومعطيات
الرصد المحلي داخل المخيمات، وذلك بهدف تدقيق بعض التقديرات واستكمال الصورة
السكانية في ضوء محدودية البيانات الإحصائية الرسمية المتاحة.
ملاحظة حول
الوصول إلى المصادر:
تعذر الوصول
المباشر إلى بعض صفحات الأونروا الرسمية خلال عملية التحقق بسبب قيود تقنية على
الوصول (خطأ 403)، ولذلك جرى الاعتماد في بعض الحالات على مصادر محلية ومتخصصة
تنقل بيانات الأونروا، مع التعامل معها بوصفها مصادر ثانوية لبيانات الوكالة،
وإظهار درجة أعلى من التحفظ في تقييم مستوى الثقة عند استخدام تلك البيانات.
الحجم والخصائص
الديموغرافية والتوزع الجغرافي
يعتمد فهم أنماط
نزوح اللاجئين الفلسطينيين خلال الأزمة الحالية على مستويين تحليليين:
(أ) خط الأساس السكاني قبل
اندلاع الأزمة الحالية
(ب) حركة النزوح والتحركات
السكانية منذ 2 آذار/مارس 2026
خط الأساس
السكاني حسب التعداد الرسمي
أظهر التعداد
العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان (2017) أن العدد
الإجمالي المصحح للاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان بلغ 174,422 فرداً. كما بيّن التعداد أن 50.4% من السكان
ذكور و49.6% إناث، وأن متوسط حجم الأسرة يبلغ 4 أفراد، في حين تشكّل الأسر التي
ترأسها نساء نحو 17.2% من مجموع الأسر الفلسطينية في لبنان[8].
كما يوضح التعداد العام للسكان والمساكن في
المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان (2017) أن التوزع الجغرافي للاجئين
الفلسطينيين ضمن المخيمات والتجمعات المشمولة في الدراسة يميل إلى الترکز في منطقة
صيدا (35.8%)، تليها منطقة الشمال
(25.1%)، ثم منطقة صور (14.7%)، وبيرو ت
(13.4% ) ، والشوف(7.1%) ، والبقاع
(4.0%). ويُعد هذا التوزع عاملاً مهماً
لفهم مسارات النزوح الحالية، إذ إن مناطق الجنوب وصيدا — التي تضم أكبر تجمعات
للاجئين الفلسطينيين — كانت من بين المناطق الأكثر تأثراً بالتصعيد العسكري الأخير.[9]
وتجدر الإشارة
إلى أن بعض التقديرات الميدانية الصادرة عن منظمات مجتمع مدني ومصادر متابعة محلية
لأوضاع المخيمات الفلسطينية تشير إلى أن العدد الفعلي للاجئين الفلسطينيين
المقيمين في لبنان قد يكون أعلى من الرقم الذي أظهره التعداد، إذ تقدر هذه المصادر
أن العدد يقارب 230 ألف لاجئ. وتستند هذه
التقديرات إلى معطيات الرصد الميداني والتحولات السكانية داخل المخيمات والتجمعات
الفلسطينية، في ظل عدم توفر إحصاء رسمي محدث بعد التعداد العام لعام 2017.
مقارنة المخيمات
حسب عدد السكان وتركيب الجنسيات (2017)
يوفّر التعداد
العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان لعام 2017 خطّ
أساس ديموغرافياً مهماً لفهم واقع المخيمات الفلسطينية قبل الحرب الحالية. وتُظهر
بياناته أن عدداً من المخيمات لم يعد يضم فقط لاجئي فلسطين المقيمين في لبنان، بل
يشمل أيضاً فلسطينيين نازحين من سوريا، إضافة إلى لبنانيين وسوريين وغيرهم داخل
المخيمات[10].
ففي مخيم برج
البراجنة بلغ مجموع السكان داخل المخيم 18,351شخصاً، منهم 8,219 لاجئاً
فلسطينياً في لبنان، و687 فلسطينياً
نازحاً من سوريا، و529 لبنانياً،
و8,790 سورياً، و126 من فئات أخرى. كما بلغ مجموع سكان مخيم المية
ومية 2,359 شخصاً، منهم 1,935 لاجئاً
فلسطينياً في لبنان و253 فلسطينياً نازحاً
من سوريا. وفي مخيم برج الشمالي بلغ المجموع 10,218، منهم 8,142 لاجئاً فلسطينياً في لبنان و1,444 فلسطينياً نازحاً من سوريا. أمّا مخيم شاتيلا
فبلغ مجموع سكانه 14,010، بينهم 4,156لاجئاً فلسطينياً في لبنان و537 فلسطينياً
نازحاً من سوريا، إلى جانب 1,155 لبنانياً
و8,064 سورياً، وهو ما يجعله من أكثر
المخيمات اختلاطاً من حيث التركيبة السكانية[11].
وفي مخيم ضبية
بلغ مجموع السكان 1,772 شخصاً، بينهم
758 لاجئاً فلسطينياً في لبنان. وفي مخيم
عين الحلوة، وهو الأكبر بين المخيمات الفلسطينية في لبنان، بلغ مجموع السكان
21,209، منهم 18,763 لاجئاً فلسطينياً في
لبنان و1,523 فلسطينياً نازحاً من سوريا.
كما بلغ مجموع سكان مخيم مار إلياس 1,767 شخصاً، بينهم 748 لاجئاً فلسطينياً في لبنان و55 فلسطينياً نازحاً من سوريا. وفي مخيم الرشيدية
بلغ العدد الإجمالي 9,656، منهم 8,641لاجئاً فلسطينياً في لبنان و560فلسطينياً نازحاً من سوريا. أمّا مخيم نهر البارد فبلغ مجموع سكانه 9,470،
بينهم 8,091 لاجئاً فلسطينياً في لبنان
و1,015 فلسطينياً نازحاً من سوريا. وفي
مخيم ويفل بلغ المجموع 2,165 شخصاً، منهم
1,421 لاجئاً فلسطينياً في لبنان
و626 فلسطينياً نازحاً من سوريا. كما بلغ
مجموع سكان مخيم البداوي 17,995، بينهم 9,740لاجئاً فلسطينياً في لبنان و1,367فلسطينياً نازحاً من سوريا، إلى جانب 630لبنانياً و6,193 سورياً. وفي مخيم
البص بلغ مجموع السكان 5,234، منهم 4,073لاجئاً فلسطينياً في لبنان و412فلسطينياً نازحاً من سوريا[12].
وتكشف هذه المعطيات أن عدداً من المخيمات، ولا سيما برج البراجنة
وشاتيلا والبداوي، كان قبل الحرب الحالية يضم كتلًا سكانية غير فلسطينية كبيرة، ما
يعني أن أي نزوح جديد نحو هذه المخيمات أو منها سيصطدم سريعاً بحدود القدرة
الاستيعابية للخدمات والبنية التحتية، وأن الضغط الإنساني والأمني خلال الحرب لا
يطال الفلسطينيين وحدهم داخل المخيمات.[13]
حجم النزوح
الفلسطيني الموثق منذ 2 آذار/مارس 2026
حتى 14 آذار/مارس 2026، لا تتوافر لوحة بيانات موحدة تجمع كل أنماط
النزوح الفلسطيني في لبنان، سواء داخل المخيمات أو بينها أو إلى مراكز الإيواء
العامة أو إلى مساكن مستأجرة. ومع ذلك، يمكن بناء صورة تشغيلية أولية عبر أربع
سلال رئيسية: أولها وجود 1,567 نازحاً
فلسطينياً (436 عائلة) داخل مراكز إيواء الأونروا حتى نحو 10 آذار/مارس2026 ، والثانية نزوح 290 عائلة
(1,015 فرداً) من مخيمات الرشيدية وبرج الشمالي والبص إلى مراكز الإيواء، والثالثة
انتقال 52 عائلة (201 فرد) من بيروت إلى مخيمَي ضبية ومار إلياس، وأما السلة الرابعة
فتتمثل في النزوح والاستقبال بين المخيمات خارج إطار الملاجئ الرسمية، حيث سُجّل
وصول 350 عائلة إلى نهر البارد و230 عائلة
إلى البداوي وفق إحصاءات اللجان الشعبية[14].
ومن حيث مستوى الثقة، تبدو أرقام النازحين داخل مراكز الإيواء ذات ثقة
مرتفعة إلى متوسطة لأنها تستند إلى تسجيل منظم، ولو أنها منقولة عبر مصادر وسيطة.
أمّا أرقام اللجان الشعبية المتعلقة بوصول 350 و230 عائلة إلى مخيمي نهر البارد
والبداوي فهي ذات ثقة متوسطة، فهي قوية ميدانياً لكنها تبقى عرضة للتغير السريع أو
الازدواجية، كما أنها لا تتضمن دائماً تعداداً دقيقاً للأفراد. وفي المقابل، يبقى
تقدير التوزع الأوسع للنزوح من وإلى مخيمات بيروت وصيدا والبقاع ذا ثقة منخفضة إلى
متوسطة بسبب غياب تغطية رقمية شاملة ومحدثة. ويعتمد هذا التقدير التحليلي على تعدد
مصادر الرصد الميداني وغياب لوحة بيانات موحدة وحديثة للنزوح الفلسطيني بين
المخيمات حتى 14 آذار/مارس 2026[15].
مسار النزوح منذ
اندلاع الحرب
يمكن تتبّع مسار نزوح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان خلال تصعيد
آذار/مارس 2026 من خلال ربط التحركات السكانية الفلسطينية بالسياق الأوسع للنزوح
الداخلي في البلاد. فقد بدأت الموجة الأولى مع اتساع الضربات الجوية وأوامر
الإخلاء منذ 2 آذار/مارس 2026، وهو ما
رافقه تعطيل واسع للتعليم وفتح مئات الملاجئ العامة، مع تسجيل عشرات الآلاف من
النازحين خلال الأيام الأولى فقط. وتُظهر التحديثات الإنسانية أن الإغلاقات
المدرسية وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء شكّلا منذ البداية أحد المحددات الأساسية
لمسار النزوح اللاحق، بما في ذلك بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين اضطروا
إلى التنقل بين المخيمات أو اللجوء إلى ترتيبات إيواء مؤقتة.[16]
ومع اتساع نطاق العمليات، بدأت استجابة الأونروا تأخذ طابعاً عملياً
أكثر وضوحاً، ففُتحت مرافق إيواء في سبلين ومحيط صيدا، ثم ظهرت مؤشرات مبكرة على
انتقال النزوح الفلسطيني من كونه نزوحاً موضعياً من الجنوب وبيروت إلى نزوح متعدد
الاتجاهات، شمل أيضاً مخيمات الشمال. وفي هذا السياق، برز 5 آذار/مارس2026 و6آذار/مارس2026 كنقطتين مهمتين، مع تصاعد
التهديدات في محيط بيروت والضاحية، وبدء تدفق عائلات فلسطينية نحو نهر البارد، حيث
سُجّل وصول 350 عائلة فلسطينية وفق بيانات اللجان الشعبية في المخيم[17].
وبحلول 8 آذار/مارس 2026 كانت
الصورة أكثر وضوحاً من حيث النزوح الفلسطيني الموثق إلى مراكز الإيواء، إذ جرى
توثيق نزوح 342 عائلة فلسطينية (1,216 فرداً)، من بينها 290 عائلة (1,015 فرداً) من مخيمات الرشيدية وبرج
الشمالي والبص في منطقة صور، إضافة إلى 52عائلة (201 فرد) من بيروت إلى مخيمَي ضبية ومار إلياس. وتُظهر هذه المرحلة
أن النزوح الفلسطيني اتخذ مسارين متوازيين: مساراً أول نحو مراكز الإيواء الرسمية
أو شبه الرسمية، ومساراً ثانياً نحو المخيمات الفلسطينية الأقل تعرضاً للخطر
المباشر[18].
وفي 10 آذار/مارس2026 ظهرت بوضوح مؤشرات انتقال الضغط نحو مخيمات
الشمال، مع تسجيل وصول 230 عائلة فلسطينية
إلى مخيم البداوي، في وقت كانت فيه التقارير الأممية تشير إلى اتساع النزوح الكلي
في لبنان بوتيرة سريعة. ثم في 11 آذار/مارس2026استقبل مخيم الرشيدية تدفقاً مختلطاً بلغ
234 عائلة (1,014 شخصاً)، بينهم 71 عائلة فلسطينية و6 عائلات من فلسطينيي سوريا، إضافة إلى فئات هشّة
شملت أعداداً كبيرة من الأطفال والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة[19].
أما بحلول 12 آذار/مارس 2026،
فقد قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عدد النازحين المسجلين في لبنان
بنحو 816,700 شخص، من بينهم 285,600 طفل، مع استمرار الضغط الشديد على المدارس
المستخدمة كملاجئ وعلى الخدمات الأساسية. وفي 13آذار/مارس2026 تزايدت التحذيرات الحقوقية
من اتساع أوامر الإخلاء، بينما أشارت تقارير أممية وإعلامية إلى أن عدد النازحين
في لبنان قد تجاوز 800 ألف شخص خلال أقل من أسبوعين من التصعيد. ويعطي هذا السياق
العام بعداً تفسيرياً مهماً للنزوح الفلسطيني، إذ يوضح أن تحركات اللاجئين الفلسطينيين
لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن موجة نزوح وطنية واسعة، لكنها اتخذت شكلاً أكثر
تعقيداً بسبب هشاشة المخيمات وخصوصية وضع اللاجئين القانوني والاجتماعي[20].
ويُظهر هذا الخط
الزمني، من الناحية التحليلية، وجود قفزتين أساسيتين في النزوح الفلسطيني: الأولى
خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 8 آذار/مارس2026 وتمثلت في نزوح من الجنوب/صور وبيروت نحو مراكز
الإيواء ومخيمات بديلة؛ والثانية مع اتساع الخطر وتضاؤل خيارات السكن، حيث ازداد
الانتقال نحو مخيمات الشمال، ولا سيما نهر البارد والبداوي. كما يتزامن ذلك مع
تسارع النزوح العام في لبنان من نحو 517ألف مسجل حتى 8 آذار/مارس 2026 إلى 816,700 مسجل حتى 12
آذار/مارس2026 ، مع تقديرات لاحقة بتجاوز العدد 800 ألف نازح في منتصف الشهر وفق التحديثات
الإنسانية الصادرة عن الجهات الأممية واللبنانية المعنية بإدارة الكوارث.
ظروف المعيشة
والحماية والوصول إلى الخدمات
المأوى
والاكتظاظ
تظهر أنماط النزوح في لبنان خلال تصعيد آذار/مارس 2026 مجموعة من
السمات الغالبة التي تنطبق أيضاً على النازحين الفلسطينيين مع وجود خصوصيات إضافية
مرتبطة بطبيعة المخيمات ووضع اللاجئين القانوني. ومن أبرز هذه السمات الانتقال
السريع في ظروف طارئة دون القدرة على نقل المتاع أو الممتلكات الأساسية، إضافة إلى
الاعتماد المتزايد على ترتيبات سكن غير رسمية مثل الإقامة لدى الأقارب أو المعارف،
أو المبيت المؤقت في السيارات، أو استخدام مبانٍ غير مكتملة البناء. ويعود ذلك
أساساً إلى الامتلاء السريع للملاجئ الجماعية خلال الأيام الأولى للتصعيد العسكري
واتساع نطاق النزوح الداخلي[21].
وعلى مستوى المخيمات الفلسطينية تحديداً، يمكن رصد ثلاثة أنماط رئيسية
لترتيبات السكن لدى النازحين. يتمثل النمط الأول في الإقامة لدى الأقارب أو
المعارف داخل المخيمات المستقبِلة، ولا سيما في مخيمات الشمال. ففي مخيم البداوي
توزعت نحو 230 عائلة فلسطينية وافدة بين الإقامة لدى أقارب داخل منازل مكتظة أو
استئجار مساكن على نفقتها الخاصة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها
المخيمات.
أما النمط الثاني فيتمثل في الضغط المتزايد على سوق الإيجارات داخل
المخيمات وما قد يرافقه من احتمالات الاستغلال الاقتصادي. ففي مخيم نهر البارد دعت
اللجنة الشعبية في المخيم مالكي المنازل إلى عدم رفع الإيجارات مع وصول العائلات
النازحة، وهو ما يعكس حساسية سوق السكن المحدود داخل المخيم وإمكانية تحوله إلى
قناة ضغط اقتصادي على الأسر النازحة في ظل محدودية الخيارات السكنية المتاحة.
أما النمط الثالث فيتجسد في الاكتظاظ السكاني المختلط داخل بعض مخيمات
الجنوب. فقد استقبل مخيم الرشيدية تدفقاً بلغ 1,014 شخصاً من جنسيات متعددة، بينهم فلسطينيون
ولبنانيون وسوريون وغيرهم، وهو ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية المحدودة
داخل المخيم ويؤدي إلى ارتفاع المنافسة على الموارد الأساسية مثل السكن والمياه
والخدمات الصحية.
المياه والصرف
الصحي والنظافة العامة
تشير تقارير اليونيسف إلى أن الضغط على خدمات المياه والصرف الصحي
والكهرباء يتزايد مع ارتفاع أعداد النازحين، وأن كثيراً من الأسر تقيم في أماكن
غير ملائمة أو غير آمنة، الأمر الذي يزيد المخاطر الصحية ويستدعي تدخلات إسعافية
في قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة داخل الملاجئ[22].
وفي تحديث إنساني صادر في 12آذار/مارس 2026، أفادت United Nations Children's Fund(اليونيسف) بأن شركاءها نفّذوا تدخلات طارئة في قطاع المياه والصرف
الصحي والنظافة داخل 188 ملجأً في مختلف
مناطق لبنان، مستهدفين نحو 11,200 أسرة
(أي ما يقارب 46 ألف شخص). وشملت هذه
التدخلات إصلاح المرافق الصحية، وتركيب دوشات ومراحيض إضافية - من بينها وحدات
مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة - إضافة إلى توزيع مواد التنظيف، ونقل المياه
بالصهاريج، وإزالة الحمأة من مراحيض الملاجئ، وذلك بهدف الحد من المخاطر الصحية
المرتبطة بالاكتظاظ داخل مراكز الإيواء المؤقتة[23].
أما داخل
المخيمات الفلسطينية، فتشير مؤشرات ميدانية إلى تدهور نسبي في خدمات المياه والصرف
الصحي والنظافة في عدد من المخيمات الواقعة في منطقة صور. ففي مخيمات برج الشمالي
والرشيدية والبص، أدى إغلاق بعض العيادات وتعطل خدمات جمع النفايات إلى تراكم
النفايات وارتفاع المخاوف الصحية في بيئة تعاني أصلاً من كثافة سكانية مرتفعة وضعف
البنية التحتية للخدمات الأساسية.
الصحة
تصف منظمة الصحة العالمية الوضع الصحي في لبنان بأنه أزمة صحية تتعمق
بسرعة، حيث أدى التصعيد العسكري إلى إغلاق عشرات مراكز الرعاية الصحية الأولية
وخروج بعض المستشفيات من الخدمة نتيجة الأضرار أو أوامر الإخلاء، ما أدى إلى زيادة
الحاجة إلى خدمات الطوارئ والرعاية الطبية.[24]
كما تشير المنظمة إلى أن الاكتظاظ في الملاجئ وضعف الوصول إلى خدمات
المياه والصرف الصحي يرفعان مخاطر انتشار الأمراض التنفسية والأمراض المنقولة
بالمياه، خصوصاً بين النساء والأطفال الذين يشكلون نسبة كبيرة من النازحين.
وبالنسبة
للاجئين الفلسطينيين، تشير تقارير محلية إلى أن توقف بعض الخدمات الصحية الأولية
التابعة للأونروا في مناطق الجنوب أدى إلى فجوة فورية في الرعاية الصحية، ما دفع
كثيراً من اللاجئين إلى الاعتماد على الصيدليات الخاصة أو شبكات التضامن المحلية
للحصول على العلاج.
التعليم
على المستوى الوطني، أدى تحويل المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء مؤقتة
إلى تعطيل واسع للعملية التعليمية. ففي 11آذار/مارس 2026، تحوّلت 344 مدرسة رسمية إلى ملاجئ، 92% منها ممتلئة بالكامل، تستضيف أكثر من 58 ألف نازح. وقد نتج عن ذلك تعطيل تعليم أكثر من
72 ألف طالب في الدوام الصباحي ونحو 39 ألف طالب في الدوام المسائي في تلك
المدارس، بما يعكس الضغط الشديد على البنية التعليمية بسبب النزوح الداخلي.[25]
أما بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين، فتشير تقارير منقولة عن
الأونروا إلى أن مدارس الوكالة ومركزها للتدريب المهني أُغلقت منذ 2 آذار/مارس2026 تماشياً مع قرار وزارة التربية اللبنانية، ما
أدى إلى توقف مؤقت للعملية التعليمية بالنسبة لآلاف الطلاب الفلسطينيين الذين
يعتمدون على هذه المدارس[26].
سبل العيش
والحماية الاجتماعية
يكشف خط الأساس السكاني الوارد في تعداد المخيمات والتجمعات
الفلسطينية في لبنان لعام 2017 عن هشاشة كبيرة في سوق العمل بالنسبة للاجئين
الفلسطينيين. فقد أظهر التعداد أن 5.2%فقط من العاملين الفلسطينيين حصلوا على إجازات عمل رسمية، مما يعكس انتشار
العمل غير النظامي وغياب أدوات الحماية الاجتماعية الأساسية مثل التعويضات أو
الضمان الصحي.
وخلال الأزمة الحالية، تتضح هذه الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية بشكل
أكبر في تقارير ميدانية تشير إلى ارتفاع أسعار السلع والمحروقات، وتوقف العديد من
الأعمال اليومية والزراعية، إضافة إلى محدودية قدرة المخيمات على استيعاب الوافدين
الجدد من دون دعم خارجي منظم. ويبرز هذا الواقع الضغط المركب على اللاجئين
الفلسطينيين خلال النزاعات نتيجة القيود القانونية الهيكلية على حق العمل والضمان
الاجتماعي في لبنان.[27]
مخاوف الحماية
تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى ارتفاع
مستويات الخوف والقلق والضغط النفسي بين النازحين نتيجة تكرار النزوح وفقدان
المأوى وعدم اليقين بشأن المستقبل، مؤكدة ضرورة وضع الحماية الإنسانية في صميم
الاستجابة الطارئة.[28]
وحذّر خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من أن آلاف النازحين، ومن
بينهم الأطفال، اضطروا للنوم في سياراتهم أو على الطرقات، وأن أوامر الإخلاء
الواسعة قد تؤدي إلى حالات نزوح قسري قد تتعارض مع أحكام القانون الدولي الإنساني
المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة[29].
وفي مخيم الرشيدية، يوضح حجم العبء الحِمائي تدفق 1,014 شخصاً من الوافدين الجدد، بينهم 372 طفلاً و26 مسناً و17 شخصاً من ذوي الإعاقة، ما
يستدعي توفير خدمات حماية الطفل والإحالة الطبية والدعم النفسي والاجتماعي للفئات
الأكثر هشاشة، لضمان احترام حقوقهم الإنسانية الأساسية ضمن بيئة مكتظة ومحدودة
الموارد.
الاستجابة
الإنسانية والفجوات
الفاعلون
الرئيسيون
تتوزع الاستجابة الإنسانية في لبنان بين مؤسسات حكومية وآليات تنسيق
أممية ومنظمات إنسانية دولية. وتقود الحكومة اللبنانية، عبر وزارة الشؤون
الاجتماعية ومنصة تسجيل النازحين، عملية تسجيل المتضررين وتوسيع شبكة الملاجئ
لتلبية الاحتياجات الطارئة. ووفق موجز المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون
اللاجئين، فقد سُجل 517,000 نازح على المنصة الحكومية حتى 8 آذار/مارس 2026، بينهم
117,228 شخصاً داخل ملاجئ جماعية، ما يعكس حجم النزوح الكبير والضغط المتزايد على
البنية التحتية للخدمات الأساسية[30].
وتشارك المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تنسيق
قطاعات الاستجابة الإنسانية، بما في ذلك الحماية والمأوى والمساعدات النقدية
والمواد الإغاثية، إضافة إلى دعم تجهيز مبانٍ عامة كملاجئ مؤقتة.
وتركّز اليونيسف تدخلاتها على حماية الأطفال، ودعم خدمات المياه والصرف
الصحي في الملاجئ، وضمان استمرار الخدمات الأساسية للنازحين. وفي الوقت نفسه،
تتابع منظمة الصحة العالمية تأثير النزاع على النظام الصحي، وتنسّق مع وزارة الصحة
اللبنانية للاستجابة للأزمات الصحية الناتجة عن النزوح والاكتظاظ.
وبالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين تحديداً، تضطلع الأونروا بدور
مركزي في إدارة مراكز الإيواء داخل المخيمات وتقديم الخدمات الأساسية، بما يشمل
توزيع الفرش والمراتب والوجبات الجاهزة، وتدريب الموظفين على مبادئ العمل
الإنساني، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين[31].
فجوات رئيسية
تكشف المعطيات
المتوافرة عن عدد من الفجوات الرئيسية في الاستجابة الإنسانية في لبنان خلال
الأزمة الراهنة:
1.فجوة المأوى بالنسبة للاجئين الفلسطينيين خارج المراكز الرسمية، حيث
أُشير إلى تأخر فتح مدارس لإيواء النازحين في مخيم البداوي، ما دفع العديد من
الأسر إلى الاعتماد على الأقارب أو استئجار مساكن خاصة رغم الظروف الاقتصادية
الصعبة[32].
2.فجوة خدمات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات في مخيمات الجنوب، إذ
أدى توقف جمع النفايات وإغلاق بعض المرافق الصحية في مخيمات صور إلى تصاعد المخاطر
الصحية في بيئة مكتظة، مما يرفع الحاجة إلى تدخلات عاجلة لضمان الصحة العامة.
3.فجوة التنسيق والاستهداف داخل المخيمات، كما في مخيم الرشيدية الذي
استقبل تدفقاً كبيراً من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين معاً، وسط انتقادات
لضعف خطة إغاثية شاملة في محيط صور، ما يعكس تحديات التخطيط والإدارة أثناء
الأزمات متعددة الجنسيات[33].
4.فجوة الحماية والتعليم نتيجة استخدام المدارس كملاجئ مؤقتة، في حين أن
إغلاق مدارس الأونروا مؤقتاً يهدد استمرارية التعليم لدى آلاف الأطفال الفلسطينيين
الذين يعتمدون عليها، ما يزيد من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للتأثر النفسي
والاجتماعي.
الاحتياجات ذات الأولوية والتوصيات: تقدير احتياجات متعدد القطاعات
استناداً إلى
البيانات المتاحة وأنماط الاستضافة الحالية داخل المخيمات الفلسطينية ومراكز
الإيواء المؤقتة، يظهر أن اللاجئين الفلسطينيين النازحين في لبنان يواجهون مجموعة
من الاحتياجات الإنسانية الملحة، تشمل عدة قطاعات رئيسية:
أولاً: مأوى آمن
وكريم
تُظهر البيانات
حاجة ملحّة لتوسيع القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء المخصصة للاجئين
الفلسطينيين، أو توفير بدائل سكنية مؤقتة، للتخفيف من الاعتماد على الإيجارات
المرتفعة أو الإقامة في مساكن مكتظة بالمخيمات. يشكل الاكتظاظ السكني تهديداً
مباشراً للصحة والسلامة، ويحدّ من قدرة الأسر على الحفاظ على الحد الأدنى من
الخصوصية والأمان، بما يعكس إخلالاً بالحق في السكن اللائق والظروف المعيشية
الملائمة وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.[34]
ثانياً: المياه والصرف
الصحي والنظافة (WASH) وإدارة النفايات
تطلب الأوضاع
الراهنة تدخلاً عاجلاً لإعادة تشغيل أو دعم خدمات المياه وجمع النفايات في
المخيمات المتأثرة، إذ تتضاعف المخاطر الصحية في البيئات المكتظة التي تعاني أصلاً
من بنية تحتية محدودة في مجالات الصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة. ويعكس هذا
الوضع إخلالاً بالحق في الصحة وحق الحصول على مياه وصرف صحي آمنة، وفقاً للمعايير
الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي[35].
ثالثاً: خدمات
الصحة الأولية والإحالة الطبية
تُعدّ الحاجة
إلى دعم خدمات الرعاية الصحية الأولية داخل المخيمات أولوية ملحّة، مع ضرورة توفير
آليات إحالة فعّالة إلى مرافق صحية بديلة في حال تعذر الوصول إلى العيادات القائمة
نتيجة القيود الأمنية أو الإغلاق المؤقت لبعض المراكز الصحية. كما تبرز أهمية
مراقبة الأمراض السارية في الملاجئ المكتظة ومراكز الإيواء الجماعي، بما يضمن
احترام الحق في الصحة والحماية من المخاطر الصحية، وفق المعايير الدولية لحقوق
الإنسان والقانون الإنساني الدولي[36].
رابعاً: الحماية
(الأطفال، النوع الاجتماعي، الإعاقة، الدعم النفسي والاجتماعي)
تتطلب الاستجابة
الإنسانية إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال الذين يشكلون
نسبة كبيرة من النازحين وفق تقديرات منظمات الأمم المتحدة، إضافة إلى النساء
والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة. كما ينبغي تعزيز آليات الوقاية من الاستغلال
والإساءة والعنف القائم على النوع الاجتماعي في الملاجئ والمناطق المكتظة داخل
المخيمات، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية لحماية حقوق الإنسان وحقوق اللاجئين،
والمعايير الخاصة بحماية الفئات الضعيفة في حالات الطوارئ.
خامساً: التعليم
واستمرارية التعلم
أدى استخدام
المدارس كمراكز إيواء وتعليق بعض الأنشطة التعليمية إلى تعطّل العملية التعليمية
لدى عدد كبير من الأطفال اللاجئين. لذلك تبرز الحاجة إلى حلول تعليمية مرنة، مثل
برامج التعويض التعليمي أو التعلم عن بعد أو إنشاء مساحات تعليمية مؤقتة، بما يضمن
الحد من الانقطاع الطويل عن التعليم، ويعكس الالتزام بحق الأطفال في التعليم وفق
المعايير الدولية لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل.[37]
سادساً: الدعم
النقدي وسبل العيش
تظهر الحاجة إلى
برامج دعم نقدي طارئ متعددة الأغراض لمساعدة الأسر النازحة على تغطية الاحتياجات
الأساسية مثل الإيجار والغذاء والدواء، خاصة في ظل محدودية فرص العمل المتاحة
للاجئين الفلسطينيين في لبنان والقيود القانونية التاريخية المفروضة على مشاركتهم
في سوق العمل الرسمي. ينسجم توفير هذا الدعم مع الالتزامات الدولية لضمان الحق في
مستوى معيشي لائق، والحماية من الفقر والحرمان، وفق المعايير الدولية لحقوق
الإنسان والقانون الإنساني الدولي.[38]
توصيات قصيرة
الأمد، إزاء المعطيات الرقمية توصي المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد):
أولاً: للفاعلين
الإنسانيين (خلال 0–3 أشهر)
.1 إنشاء
نظام رصد موحد لنزوح اللاجئين الفلسطينيين يدمج بيانات مراكز الإيواء التابعة
للأونروا مع بيانات اللجان الشعبية وشركاء الاستجابة الإنسانية، بما يساهم في
تقليل الازدواجية وتحسين دقة استهداف المساعدات عبر استخدام معرفات أسرية مبسطة.
. 2 توفير حزمة حد أدنى من مستلزمات المأوى داخل المخيمات المستقبلة، تشمل
تجهيزات النوم والتقسيمات الداخلية التي تضمن الحد الأدنى من الخصوصية والإضاءة
ومواد التنظيف، خصوصاً في مخيمَي نهر البارد والبداوي حيث تقيم العديد من العائلات
في منازل مكتظة أو في مساكن مستأجرة بشكل مؤقت[39].
.3 تنفيذ
تدخلات عاجلة في قطاع المياه والإصحاح والنظافة داخل المخيمات المتأثرة بتوقف
الخدمات، بما يشمل جمع النفايات ونقل الحمأة وتزويد المياه، بالتنسيق مع آليات
الاستجابة التي تقودها اليونيسف وشركاؤها في مراكز الإيواء.[40]
.4نشر
خدمات صحية متنقلة ونقاط إسعاف أولي داخل المخيمات في الحالات التي تتعطل فيها
خدمات الرعاية الصحية الأولية أو تتقلص نتيجة القيود الأمنية أو نقص الموارد.
.5 تعزيز
آليات الحماية من الاستغلال والإساءة (PSEA) وإحالة حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل الملاجئ
والمخيمات، مع اهتمام خاص بالأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين والأطفال غير المصحوبين
بذويهم.
ثانياً: لصنّاع
القرار (خلال 0–3 أشهر)
.1 التأكيد
على مبدأ عدم التمييز في الوصول إلى الملاجئ والخدمات العامة، وضمان تمكين جميع
المتضررين — بمن فيهم اللاجئون الفلسطينيون وغير اللبنانيين — من الاستفادة من
خدمات الطوارئ وفق المعايير الإنسانية المعتمدة.[41]
.2 اتخاذ
إجراءات محلية للحد من استغلال الإيجارات في حالات الطوارئ عبر توجيهات بلدية أو
تنظيمات محلية حيث تسمح الظروف، نظراً لظهور مؤشرات مبكرة على ارتفاع سريع في
الإيجارات داخل المناطق المستقبلة للنازحين، خصوصاً في محيط المخيمات.
توصيات متوسطة
الأمد
.1 إعادة
تأهيل وتعزيز البنية التحتية لقطاع المياه والإصحاح والنظافة(WASH) داخل المخيمات الفلسطينية، بما يشمل
شبكات المياه، وأنظمة الصرف الصحي، وآليات إدارة النفايات الصلبة، نظراً لكون هذه
المنظومة تمثل إحدى أكثر نقاط الضعف البنيوية عرضة للانهيار في حالات الاكتظاظ
السكاني والطوارئ الممتدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى مخاطر صحية وبيئية واسعة النطاق
إذا لم تتم معالجته بشكل استباقي.
.2 إعداد
وتنفيذ خطة تعليم تعويضية متعددة المسارات تهدف إلى ضمان استمرارية التعليم
للأطفال والطلبة المتأثرين بالنزوح، وذلك من خلال اعتماد بدائل تعليمية مرنة مثل
المدارس المؤقتة، أو نظام الدوامات المتعددة، أو حلول التعلم الرقمي والتعليم
المجتمعي، ولا سيما في الحالات التي تُستخدم فيها المدارس كمراكز إيواء أو تتعطل
فيها العملية التعليمية نتيجة الأزمات الأمنية والإنسانية.[42]
.3 تطوير
مقاربات شبه طارئة لدعم سبل العيش داخل المخيمات والمناطق المستقبلة للنازحين، بما
في ذلك برامج النقد مقابل العمل المرتبطة بأنشطة خدمية ومجتمعية مثل صيانة مرافق
المياه والإصحاح والنظافة، وأعمال النظافة العامة، وأعمال الترميم الخفيف للمساكن
والبنية التحتية، بما يحقق تكاملاً بين الاستجابة الإنسانية وفرص التشغيل المؤقت،
مع مراعاة القيود القانونية والتنظيمية المرتبطة بعمل اللاجئين الفلسطينيين في
لبنان.
.4 إطلاق
حوار سياسي وحقوقي منظم حول القيود البنيوية المفروضة على اللاجئين الفلسطينيين،
ولا سيما في مجالات العمل والضمان الاجتماعي والسكن، إذ تكشف الأزمات والحروب
المتكررة أن استمرار هذه القيود القانونية يحدّ من قدرة المجتمعات اللاجئة على
التكيّف الذاتي وتعزيز قدرتها على الصمود، ويؤدي في المقابل إلى تعميق الاعتماد
على المساعدات الإنسانية.
فجوات البيانات
تكشف مراجعة
المعطيات المتاحة حول النزوح الفلسطيني في لبنان عن عدد من الفجوات البنيوية في
البيانات، الأمر الذي يحدّ من القدرة على إنتاج تقديرات دقيقة وتخطيط استجابة
إنسانية قائمة على الأدلة. ويمكن تلخيص أبرز هذه الفجوات فيما يلي:
.1غياب
تعداد آني موحد للنازحين الفلسطينيين موزّع حسب المخيم أو القضاء ونوع الإقامة
(مراكز إيواء رسمية، الإقامة لدى أقارب، سكن بالإيجار، أو الإقامة في العراء). إذ
تتوزع البيانات الحالية بين تسجيلات مراكز الإيواء التابعة للأونروا، وإحصاءات غير
رسمية صادرة عن اللجان الشعبية، إضافة إلى تقديرات وردت في التغطيات الصحفية، ما
يؤدي إلى تباين ملحوظ في الأرقام المتداولة.
.2ضعف
البيانات المتعلقة بالخصائص الديموغرافية للنازحين الفلسطينيين، ولا سيما ما يتعلق
بالفئات العمرية، والنوع الاجتماعي، وحالات الإعاقة، حيث لا تتوفر هذه البيانات
بشكل منهجي باستثناء بعض التقديرات المحلية المحدودة التي ظهرت في حالات معينة مثل
مخيم الرشيدية.
.3عدم
وضوح التداخل والازدواجية في احتساب أعداد النازحين الفلسطينيين بين فئتين
رئيسيتين:
(أ) النازحون المسجلون في
مراكز الإيواء التي تديرها الأونروا
(ب) النازحون الذين
انتقلوا إلى مخيمات شمال لبنان
يؤدي هذا
التداخل إلى احتمال احتساب بعض الأفراد أو الأسر أكثر من مرة عند جمع الأرقام من
مصادر مختلفة.
.4صعوبة
تتبع أثر توقف أو تعطل الخدمات الأساسية داخل المخيمات — مثل خدمات الرعاية الصحية
الأولية، وجمع النفايات، وتوفير المياه — بصورة يومية ومنهجية، وهو ما يحدّ من
القدرة على تقييم التأثير المباشر للأزمة على الأوضاع الصحية والبيئية داخل
المخيمات.
[1] Disaster Risk
Management Unit. (2026, March 11). Lebanon displacement figures following
escalation of hostilities. Lebanese Prime Minister’s Office.
[2] United Nations Relief and Works
Agency for Palestine Refugees in the Near East. (2026). Situation report:
Palestine refugees in Lebanon during the escalation of hostilities. https://www.unrwa.org
[3] Lebanese Ministry of Social
Affairs. (2026). Displacement and vulnerability data in southern Lebanon.
Internal report.
[4] UNRWA. (2026). Situation
report: Protection and humanitarian risks for Palestinian refugees in Lebanon
during hostilities. United Nations Relief and Works Agency for Palestine
Refugees in the Near East. https://www.unrwa.org
[5] UNRWA. (2026).Situation report: Snapshot of Palestinian refugees in Lebanon — March 14,
2026. United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the
Near East. https://www.unrwa.org
[6] United Nations High Commissioner
for Refugees (UNHCR). (2026, March). Flash update: Lebanon displacement and
humanitarian situation. https://www.unhcr.org
[7]Lebanese–Palestinian Dialogue Committee. (2025). Legal framework for
Palestinian refugees in Lebanon: Analysis and recommendations. Beirut,
Lebanon.
[8] Lebanese–Palestinian Dialogue
Committee, Central Administration of Statistics (Lebanon), & Palestinian
Central Bureau of Statistics. (2017). General population and housing census
in Palestinian camps and gatherings in Lebanon 2017. Beirut:
Lebanese–Palestinian Dialogue Committee.
[9] Lebanese–Palestinian Dialogue
Committee, Central Administration of Statistics (Lebanon), & Palestinian
Central Bureau of Statistics. (2017). General population and housing census
in Palestinian camps and gatherings in Lebanon 2017. Beirut:
Lebanese–Palestinian Dialogue Committee.
[10] Lebanese–Palestinian Dialogue
Committee, Central Administration of Statistics (Lebanon), & Palestinian
Central Bureau of Statistics. (2017). General population and housing census
in Palestinian camps and gatherings in Lebanon 2017. Beirut:
Lebanese–Palestinian Dialogue Committee.
[11] Lebanese–Palestinian Dialogue
Committee, Central Administration of Statistics (Lebanon), & Palestinian
Central Bureau of Statistics. (2017). General population and housing census
in Palestinian camps and gatherings in Lebanon 2017. Beirut:
Lebanese–Palestinian Dialogue Committee.
[12] Lebanese–Palestinian Dialogue
Committee, Central Administration of Statistics (Lebanon), & Palestinian
Central Bureau of Statistics. (2017). General population and housing census
in Palestinian camps and gatherings in Lebanon 2017. Beirut:
Lebanese–Palestinian Dialogue Committee.
[13] Lebanese–Palestinian Dialogue
Committee, Lebanese Central Administration of Statistics, & Palestinian
Central Bureau of Statistics. (2017). General population and housing census
in Palestinian camps and gatherings in Lebanon. Beirut, Lebanon. https://www.pcbs.gov.ps
[15] United Nations Relief and Works
Agency (UNRWA). (2026). Situation report: Palestinian refugees in Lebanon.https://www.unrwa.org
[16] CHS Alliance, Groupe URD, & Sphere. (2019). Core
Humanitarian Standard on Quality and Accountability.
[17] United Nations Relief and Works
Agency for Palestine Refugees in the Near East (UNRWA). (2026). Lebanon
emergency situation update: Displacement of Palestine refugees during the March
escalation. https://www.unrwa.org
[18] CHS Alliance, Groupe URD, & Sphere. (2019). Core
Humanitarian Standard on Quality and Accountability.
[19] International Committee of the Red
Cross (ICRC). (2026). Lebanon: Escalation of hostilities and humanitarian
needs update. https://www.icrc.org
[20] United Nations Children's Fund (UNICEF).
(2026).Lebanon
humanitarian situation report: Escalation and internal displacement update. https://www.unicef.org
[21] United Nations Office for the
Coordination of Humanitarian Affairs. (2026). Lebanon: Escalation of
hostilities – Flash update on displacement and humanitarian needs. New
York: United Nations.
[22] United Nations Children's Fund.
(2026). Lebanon humanitarian situation report: Escalation and displacement
update. https://www.unicef.org
[23] United Nations Children's Fund.
(2026). Lebanon humanitarian situation report: Escalation response update,
12 March 2026. New York: UNICEF.
[24] World Health Organization. (2026).Lebanon: Health emergency situation report. Geneva: World Health
Organization.
[25] وزارة التربية اللبنانية. (2026). تقرير
حول تحويل المدارس إلى ملاجئ خلال الأزمة الراهنة. بيروت: وزارة التربية.
[26] الأونروا. (2026). تحديث الوضع
التعليمي والإنساني للاجئي فلسطين في لبنان.بيروت. UNRWA:
[27] Lebanese–Palestinian Dialogue
Committee, Central Administration of Statistics (Lebanon), & Palestinian
Central Bureau of Statistics. (2017). General population and housing census
in Palestinian camps and gatherings in Lebanon 2017. Beirut:
Lebanese–Palestinian Dialogue Committee.
[28] Office of the United Nations High
Commissioner for Refugees. (2026). Lebanon displacement and protection
update. Geneva: UNHCR.
[29] مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. (2026). Lebanon: Human rights alerts and displacement
updates. Geneva: OHCHR.
[30] Office of the United Nations High
Commissioner for Refugees. (2026). Lebanon displacement registration and
shelter update. Geneva: UNHCR.
[31] الأونروا. (2026). Lebanon emergency situation update. بيروت: UNRWA.
[32] Lebanon:
Child protection and humanitarian response update (UNICEF, 2026)
[33] CHS Alliance, Groupe URD, & Sphere. (2019). Core
Humanitarian Standard on Quality and Accountability.
[36] International Committee of the Red
Cross. (n.d.). Health care and international humanitarian law.
[41] United Nations
Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2018). Core
Humanitarian Standard on Quality and Accountability.