(تقرير حقوقي يمتد من
فترة 28 فبراير\شباط وحتى 8 أبريل\نيسان 2026)
107 قتيل خلال فتر 40 يوم، وأزمة الطحين
تفاقم الجوع
ما بين حربين، تموت غزة ببطء
بينما انشغل العالم في 28 فبراير 2026 بالهجوم
العسكري الإسرائيلي-الأمريكي على إيران، وما تبعه من توترات إقليمية امتدت إلى لبنان،
استمرت آلة القتل والتجويع الإسرائيلية في غزة دون هوادة. فما لبث "وقف إطلاق
النار" الذي رعته الولايات المتحدة ودخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 أن تحول
إلى مجرد غطاء سياسي لإسرائيل لمواصلة انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي، مستغلة انصراف
الأنظار إلى جبهات أخرى. هذا التقرير الحقوقي يوثق، استناداً إلى مصادر عربية وأجنبية
وأممية موثقة، واقع القتل اليومي والحصار المشدد الذي طال الطحين والوقود والمساعدات
الطبية، مؤكداً أن إسرائيل لم تترك غزة بل حوّلتها إلى سجن مفتوح يموت سكانه جوعاً
وقصفاً تحت أعين العالم الصامتة.
أولاً: أزمة الطحين – تجويع متعمد
منذ اليوم الأول للهجوم على إيران في 28 فبراير،
أغلقت السلطات الإسرائيلية المعابر بالكامل، مانعة دخول الإمدادات الغذائية والطبية.
ومع مرور الأسابيع، لم يتحسن الوضع بل تفاقم بشكل دراماتيكي. في تقرير صادر عن المكتب
الإعلامي الحكومي في غزة في 12 أبريل 2026، اتهمت حكومة غزة إسرائيل باتباع سياسة
"هندسة التجويع" من خلال خنق إمدادات الطحين، مشيرة إلى أن الاحتياج اليومي
للقطاع يبلغ نحو 450 طناً من الطحين، بينما لا يتوفر سوى قرابة 200 طن، ما يخلق فجوة
يومية حادة تهدد حياة 2.4 مليون نسمة. وأوضح البيان أن الكميات التي سُمح بدخولها لم
تتجاوز 38% من حجم التوريدات التي كانت تدخل قبل الحرب، رغم الاتفاق ضمن البروتوكول
الإنساني على دخول 600 شاحنة يومياً.
أما على الأرض، فالمعاناة يومية وملموسة.
ففي مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يصف سائد اللحام (41 عاماً) لصحيفة "الشرق الأوسط"
كيف أنه يقف يومياً أكثر من 3 ساعات في طابور طويل للحصول على ربطة خبز واحدة لا تكفي
أفراد عائلته المكونة من 6 أشخاص، مشيراً إلى أن سعر كيس الطحين (20 كيلوغراماً) ارتفع
من 20 شيقلًا قبل شهر إلى 140 شيقلًا. وتقول رهام سالم (52 عاماً) من حي النصر بمدينة
غزة إنها تضطر، مثل العديد من النساء، إلى التدافع مع الرجال في طوابير مزدحمة لتأمين
الخبز لعائلتها المكونة من 9 أفراد، وإن لديها كيس دقيق لكنها لا تستطيع استخدامه بسبب
ارتفاع أسعار الحطب وانقطاع الغاز والكهرباء.
وتتفاقم الأزمة بسبب تقليص الدعم الدولي.
فالمطبخ المركزي العالمي أوقف دعمه للدقيق بشكل كامل بعدما كان يوفر ما بين 20 و30
طناً يومياً، كما خفض برنامج الغذاء العالمي كميات الطحين من 300 طن إلى 200 طن يومياً،
فضلاً عن توقف مؤسسات أخرى عن دعم الخبز والطحين. وصرح حسن أبو رياضة، نائب وزير الاقتصاد
في حكومة غزة، بأن الدعم الدولي لإنتاج الخبز في غزة انخفض بأكثر من 60%، مما قلص الإنتاج
اليومي بشكل كبير.
ثانياً: استمرار القتل اليومي – أرقام صادمة
رغم توقف الحرب واسعة النطاق، لم تتوقف الغارات
الجوية والقصف المدفعي الإسرائيلي. فوفق معطيات رسمية، ارتفعت الحصيلة الإجمالية للشهداء
في غزة من 72,126 قتيلاً في 8 مارس 2026 إلى 72,315 في 8 أبريل 2026، أي بزيادة
189 قتيلاً خلال شهر واحد فقط. لكن الأرقام الأكثر دقة تأتي من تقارير أممية وصحفية.
فوفق عرض صحافي استند إلى متابعة الفترة من 28 فبراير حتى 8-9 أبريل 2026، قُتل في
غزة ما لا يقل عن 107 أشخاص خلال هذه الأربعين يوماً، مع استمرار القصف في 36 يوماً
من أصل 40، وعدم السماح إلا بنحو 20% من الشاحنات المطلوبة و8% فقط من الإجلاءات الطبية.
وتظهر تقارير "أونروا" أن القتل
لم يتوقف: فبين 26 فبراير و5 مارس قُتل 18 فلسطينياً، وبين 6 و17 مارس قُتل 35 فلسطينياً
إضافة إلى شخص توفي متأثراً بجراحه، ثم بين 26 مارس و1 أبريل قُتل 20 فلسطينياً وتوفي
3 متأثرين بجراحهم، ليصل الحد الأدنى الموثق إلى 76 حالة وفاة في مقاطع من هذه الفترة
وحدها.
أما لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة
للأمم المتحدة، فأكدت في 8 أبريل 2026 أن الهجمات الإسرائيلية، بما في ذلك القصف الجوي
والمدفعي والطائرات المسيرة، لا تزال تسبب خسائر في صفوف المدنيين، مشيرة إلى أن وزارة
الصحة في غزة أبلغت عن مقتل ما لا يقل عن 200 شخص منذ 28 فبراير 2026. وأدانت اللجنة
"عمليات القتل المتواصلة" بحق الفلسطينيين في غزة، ووصفت الوضع العام بأنه
"فظيع"، مع استمرار العيش برعاية صحية محدودة، وانعدام الأمن الغذائي، ومساكن
غير لائقة.
وفي الضفة الغربية، قتل 22 فلسطينياً، بينهم
أطفال، برصاص المستوطنين أو قوات الاحتلال منذ 28 فبراير 2026، وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون
الإنسانية "أوتشا."
ثالثاً: الحصار المشدد – إغلاق كامل للمعابر وشلل في الإخلاء الطبي
من أبرز الانتهاكات الموثقة خلال هذه الفترة،
الإغلاق الكامل للمعابر. فبعد الهجوم على إيران، أغلقت السلطات الإسرائيلية جميع معابر
غزة، مما أدى إلى شل حركة الإجلاء الطبي بشكل شبه كامل. فبينما كان من المفترض أن يسمح
الاتفاق بخروج 50 مريضاً ومرافقيهم يومياً للعلاج في الخارج، لم يُسمح منذ 28 فبراير
سوى بنحو 8% من العدد المتفق عليه. وحذّرت منظمة "أطباء بلا حدود" من أن
هذه القيود تشكل "تدميراً لشروط الحياة"، مشيرة إلى أن 18,500 شخص في غزة
لا يزالون على قائمة الانتظار للإخلاء الطبي، بينهم 4,000 طفل.
كما أشار تقرير أممي صادر عن مكتب تنسيق الشؤون
الإنسانية في 2 أبريل 2026 إلى أن القيود على الإمدادات ونقص غاز الطهي وتراجع السلع
التجارية أدت إلى تقليص القدرة على الحصول على الغذاء الطازج، مع بقاء تكلفة المعيشة
أعلى بنحو 30% مقارنة بما قبل التصعيد في أواخر فبراير. وحذّر برنامج الأغذية العالمي
من أن 77% من سكان غزة ما زالوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد،
مع لجوء 80% من السكان إلى "استراتيجيات تكيف سلبية" تشمل الاستدانة وتقليص
الاستهلاك.
رابعاً: الخروقات اليومية – ألفا خرق و738 شهيداً منذ الهدنة
كشفت مصادر طبية في قطاع غزة أن الخروقات
الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، منذ الإعلان عنه في 10 أكتوبر 2025، تجاوزت ألفي
خرق، وأسفرت عن استشهاد 738 فلسطينياً وإصابة 2,036 آخرين حتى 12 أبريل 2026. ووفقاً
لوزارة الصحة في غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار إلى 750، وعدد الجرحى
إلى 2,090، مع انتشال 760 جثماناً من تحت الأنقاض. وما زال آلاف الجثامين عالقة تحت
الركام في جميع أنحاء القطاع، حيث تشير المصادر إلى وجود حوالي 10,000 جثة مفقودة.
خامساً: انتهاكات جسيمة وجرائم حرب موثقة
إلى جانب القتل والتجويع، وثّقت المصادر انتهاكات إسرائيلية أخرى تشكل
جرائم حرب بموجب القانون الدولي:
·استخدام
الدروع البشرية: في سقطة توثيقية نادرة، نشر جيش الاحتلال
الإسرائيلي عبر منصاته الرسمية مشاهد مصورة تدينه باستخدام المدنيين الفلسطينيين بمثابة
طعم بشري لحماية قواته المقتحمة لمستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، قبل أن تسارع الرقابة
العسكرية إلى حذفها.
·استهداف
المدنيين في مراكز الإيواء: في 6 أبريل 2026، قُتل ما لا يقل عن 10 أشخاص،
بينهم أطفال، في قصف إسرائيلي استهدف مدرسة تؤوي نازحين في مخيم المغازي وسط القطاع.
·استهداف
الصحفيين والطواقم الطبية: قُتل الصحفي محمد وشاح، مراسل قناة الجزيرة الفضائية برصاص القوات الإسرائيلية في غزة،
كما استُهدف سائق تابع لمنظمة الصحة العالمية خلال قيادته موكباً لإجلاء مرضى غزة للعلاج
بالخارج.
سادساً: المجتمع الدولي بين الإدانة العاجزة والصمت المريب
أدانت عدة هيئات أممية وحقوقية دولية استمرار
الانتهاكات الإسرائيلية. ففي 5 أبريل 2026، اتهمت منظمة "هيومن رايتس ووتش"
الحكومة الإسرائيلية باستخدام تجويع المدنيين كأسلوب حرب، معتبرةً ذلك جريمة حرب. وفي
7 أبريل 2026، اتهمت "منظمة العفو الدولية" إسرائيل بارتكاب "إبادة
جماعية" ضد الفلسطينيين في غزة، ووصفت الأمين العام للمنظمة، أنييس كلامار، ما
يحدث بأنه "إبادة جماعية تُبث على الهواء مباشرة".
أما مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان،
فولكر تورك، فأدان "عمليات القتل المتواصلة" بحق الفلسطينيين، مشيراً إلى
أن أكثر من 32 فلسطينياً استُشهدوا منذ مطلع أبريل 2026 وحده، وأن نمط القتل الحالي
يعكس "استهتاراً مستمراً بأرواح الفلسطينيين". كما أعربت لجنة التحقيق الدولية
التابعة للأمم المتحدة عن قلقها من أن الحرب الإقليمية مع إيران "طغت على زيادة
انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين".
رغم هذه الإدانات، لم تتخذ أي إجراءات رادعة بحق إسرائيل، مما شجعها على
مواصلة جرائمها في ظل غطاء سياسي أمريكي ودولي.
الخاتمة: جريمة مستمرة بلا رادع
إن استمرار إسرائيل في قتل الفلسطينيين وتجويعهم وإغلاق المعابر أمام
المساعدات الطبية والغذائية، رغم ما يسمى "وقف إطلاق النار"، يؤكد أن ما
يجري في غزة ليس مجرد صراع عسكري، بل سياسة إبادة جماعية وتطهير عرقي متعمدة، تستغل
انشغال العالم بحروب أخرى لتمرير جرائمها. إن المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، ومحكمة
الجنايات الدولية، أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي: إما أن يوقفوا هذه الجريمة فوراً،
وإما أن يتحملوا مسؤولية التواطؤ في استمرارها.
توصي المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) بما يأتي:
1.فتح المعابر
الإسرائيلية فوراً ودون قيود لإدخال المساعدات الغذائية والطبية والوقود، ولا سيما
الطحين.
2.السماح
الفوري بدخول فرق الإغاثة والدفاع المدني لانتشال الجثامين من تحت الأنقاض.
3.تسهيل
عمليات الإخلاء الطبي للمرضى والجرحى إلى خارج القطاع دون عوائق.
4.تشكيل
لجنة تحقيق دولية مستقلة لمحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة
الجماعية في غزة.
5.تفعيل
آليات المساءلة الجنائية الدولية، بما في ذلك إحالة الوضع إلى محكمة الجنايات الدولية.
References
- Al Jazeera. "Israel Bombed Gaza on 36
of the Past 40 Days while the War Raged in Iran.” April 9, 2026.
- Al Jazeera. ":8
شهداء في قصف على وسط غزة والأمم
المتحدة تدين القتل المتواصل.”
April 11, 2026.
- Al Jazeera Net.” "صور محذوفة.. الجيش الإسرائيلي يدين نفسه
باستخدام الدروع البشرية." April 12, 2026.
- Al Quds Newspaper."تحذيرات من انهيار منظومة الخبز في غزة جراء تقليص
الاحتلال لإمدادات الدقيق".
April 12, 2026.
- Anadolu Agency. "حكومة غزة: يحتاج القطاع 450 طن دقيق
يومياً والمتوفر 200.”
April 12, 2026.
- Asharq Al-Awsat. "تفاقم أزمة الخبز في غزة... واتهامات
لإسرائيل بـهندسة التجويع.”
April 2026.
- Amnesty International. "Israel Accused
of Genocide in Gaza.” April 7, 2026.
- Human Rights Watch. "Israel
Intentionally Starving Civilians in Gaza.” April 5, 2026.
- Médecins Sans Frontières (MSF). "This
Is Not a Ceasefire: Life in Gaza Continues to Be Suffocated Six Months
On.” April 10, 2026.
- Qatar News Agency (QNA). "Death Toll in
Gaza Rises to 72,126.” March 8, 2026.
- United Nations Geneva. "La Guerra
contra Irán ha eclipsado el aumento de violaciones de derechos humanos de
los palestinos.” April 8, 2026.
- UN News. "غزة - الجوع يزداد مع ارتفاع الأسعار وشح الإمدادات.” April 2026.
- UNRWA. Situation Report #212 on the
Humanitarian Crisis in the Gaza Strip. 2026.
- WAFA. "ستة أشهر على وقف إطلاق النار في غزة.. انتهاكات مستمرة وأزمة
إنسانية تتفاقم.”
April 12, 2026.