الملخص التنفيذي
يرصد هذا التقرير
الذي أعدته المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) أزمة انقطاع وضعف وصول المياه
التي تشهدها أجزاء من مخيم عين الحلوة، ولا سيما القاطعين الثاني والرابع وجزءًا
من القاطع الخامس (حي صفورية)، والتي تؤثر، وفق المعلومات الميدانية التي جُمعت أثناء
إعداد التقرير، على ما يقارب 3400 عائلة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على تمتع
السكان بحقهم في الحصول على مياه كافية وآمنة للاستخدامات المنزلية.
وتبين المعلومات التي تم التحقق منها أن
الأزمة ليست ناجمة عن نقص مصادر المياه وحده، وإنما عن مجموعة من العوامل
التشغيلية والفنية والإدارية، من أبرزها:
- محدودية ساعات تشغيل بعض الآبار وارتفاع كلفة التشغيل.
- التحديات المرتبطة بإدارة شبكة المياه وآليات توزيعها.
- التسربات والهدر في أجزاء من الشبكة.
- الحاجة إلى تطوير آليات الرقابة على تنفيذ جداول الضخ
بين مختلف مناطق المخيم.
ويخلص التقرير إلى أن
ضمان الحق في المياه يتطلب اعتماد إدارة أكثر كفاءة وشفافية لشبكة المياه، وتعزيز
التنسيق بين وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)
واللجان الشعبية والجهات المحلية ذات الصلة، إلى جانب الاستثمار في حلول تشغيلية
مستدامة، بما يكفل وصول المياه بصورة عادلة ومنتظمة لجميع سكان المخيم.
أولاً: المقدمة
في إطار متابعة
المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) للشكاوى الواردة إليها بشأن أزمة المياه
التي تعاني منها أجزاء من مخيم عين الحلوة، أعدت المؤسسة هذا التقرير لرصد واقع
الأزمة، وتحليل أسبابها، وتقييم آثارها الحقوقية، وتقديم توصيات عملية يمكن أن
تسهم في تعزيز إدارة الموارد المائية وضمان عدالة توزيعها.
ويُعد الحق في الحصول
على مياه كافية وآمنة أحد الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق
الإنسان، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحق في الصحة، والحق في مستوى معيشي لائق،
والحق في الحياة الكريمة. وقد أكدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
في تعليقها العام رقم (15) أن المياه ليست مجرد مورد طبيعي، بل حق أساسي لا غنى
عنه للعيش بكرامة، بما يفرض على الجهات المعنية اتخاذ التدابير اللازمة لضمان
توافرها بصورة مستمرة، وإمكانية الوصول إليها دون تمييز، خاصة بالنسبة للفئات
الأكثر هشاشة، ومن بينها اللاجئون الفلسطينيون.
وتكتسب هذه الأزمة
أهمية خاصة بالنظر إلى أنها تمس إحدى أكثر الخدمات الأساسية ارتباطًا بالحياة
اليومية والصحة العامة، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اللاجئون
الفلسطينيون في لبنان.
ثانيًا: منهجية
التقرير
اعتمد التقرير على
الأدوات المنهجية التالية:
- المقابلات الميدانية: مع عدد من
الناشطين، وسكان المناطق المتضررة، وأشخاص مطلعين على واقع إدارة المياه داخل
المخيم، إضافة إلى التواصل مع ممثلي اللجان الشعبية وإدارة المخيم.
- المخاطبات الرسمية: سعت المؤسسة إلى الحصول على إفادة
رسمية من وكالة الأونروا بشأن تشغيل الآبار وإدارة الشبكة، إلا أنه لم يرد أي
رد رسمي حتى تاريخ إنجاز التقرير في 7 تموز/يوليو 2026.
- التحقق من التقاطع: جرى التحقق من
المعلومات عبر مقارنتها بمصادر متعددة، واعتماد الوقائع التي تكرر ورودها من
أكثر من مصدر مستقل.
ثالثًا: نبذة عن
مخيم عين الحلوة
يقع مخيم عين الحلوة
في مدينة صيدا جنوب لبنان، ويُعد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في البلاد، إذ
يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا فيه 64,143 لاجئًا وفق أحدث
البيانات المنشورة عن الوكالة حتى نهاية عام 2023.
ويتكون المخيم من عشرة
قواطع سكنية، ويتميز بكثافة سكانية مرتفعة وبنية تحتية تعرضت خلال السنوات الماضية
لضغوط كبيرة نتيجة الأزمات الاقتصادية والاشتباكات المسلحة التي شهدها المخيم،
الأمر الذي انعكس على كفاءة العديد من الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها خدمات المياه.
وتتركز الأزمة موضوع
هذا التقرير بصورة رئيسية في القاطعين الثاني والرابع، إضافة إلى جزء من القاطع
الخامس (حي صفورية)، وهي مناطق تكررت بشأنها الشكاوى المتعلقة بضعف وصول المياه.
رابعًا: واقع
الأزمة
تعتمد شبكة المياه في
مخيم عين الحلوة على مجموعة من الآبار (12 بئراً) التي تغذي مختلف أحياء المخيم،
ويُعد بئر دير القاسي، الواقع خارج حدود المخيم، من أهم مصادر المياه التي تساهم
في تزويد السكان بالمياه.
وبحسب المعلومات
الميدانية، تعتمد شبكة المياه في المخيم نظامًا دائريًا، الأمر الذي يجعل انتظام
تشغيل جميع الآبار بصورة متزامنة عنصرًا أساسيًا لضمان وصول المياه إلى مختلف
المناطق. ويؤدي أي خلل في تشغيل أحد الآبار إلى التأثير على أداء الشبكة ككل، ولا
سيما في المناطق التي تقع في نهاية مسار الضخ، ومن بينها أجزاء من القاطعين الثاني
والرابع.
وتشير المعلومات التي
جُمعت خلال إعداد التقرير إلى أن أزمة المياه تتكرر بصورة شبه سنوية مع بداية فصل
الصيف، إلا أن حدتها ازدادت خلال الفترة الأخيرة، ما أدى إلى تفاوت واضح في وصول
المياه بين أحياء المخيم، ولا سيما في المناطق الواقعة ضمن القاطعين الثاني والرابع
وجزء من القاطع الخامس.
ووفق التقديرات
الميدانية، يتأثر بالأزمة ما يقارب 3400عائلة، حيث يضطر العديد من السكان إلى شراء
المياه أو الاعتماد على مصادر بديلة لتأمين احتياجاتهم اليومية، الأمر الذي يفاقم
الأعباء الاقتصادية ويؤثر على الصحة العامة والظروف المعيشية.
خامسًا: الأسباب
والتحديات
تشير المعلومات التي جرى التحقق منها إلى أن الأزمة لا تعود
إلى سبب واحد، وإنما إلى مجموعة من العوامل المتشابكة:
فعلى المستوى
التشغيلي، يؤدي ارتفاع كلفة تشغيل الآبار، وتحديات تأمين الكهرباء والمحروقات، إلى
تقليص ساعات الضخ، بما ينعكس مباشرة على كمية المياه الواصلة إلى بعض الأحياء.كما أفادت المعلومات الميدانية بأن تراجع كميات المحروقات المخصصة لتشغيل
بعض الآبار خلال الفترة الأخيرة أدى إلى انخفاض ساعات التشغيل مقارنة بالفترات
السابقة، الأمر الذي ساهم في زيادة حدة الأزمة، خاصة خلال فصل الصيف مع ارتفاع
الطلب على المياه.
أما على المستوى
الفني، فقد برزت الحاجة إلى معالجة التسربات في أجزاء من شبكة المياه، وتركيب
عوامات لخزانات المياه، والحد من فاقد المياه الناتج عن الهدر أو الأعطال التقنية.
وعلى المستوى الإداري،
أظهرت المقابلات الميدانية الحاجة إلى تطوير آليات إدارة شبكة المياه، وتعزيز
الرقابة على تنفيذ جداول تشغيل الآبار، وتحسين إدارة محابس (سكّرات) الشبكة، بما
يحقق توزيعًا أكثر عدالة بين مختلف المناطق.
وتؤدي وكالة
الأونروا دورًا أساسيًا في دعم تشغيل منظومة المياه داخل المخيم، من خلال المساهمة
في تشغيل وصيانة الآبار، وتأمين احتياجات التشغيل، بما في ذلك المحروقات عند
الحاجة، والإشراف على أعمال الصيانة وتعقيم المياه. ومع ذلك، فإن فعالية هذه
الجهود تبقى مرتبطة بوجود آليات متابعة وتنسيق واضحة مع الجهات المحلية المعنية
لضمان حسن تنفيذ جداول الضخ ومعالجة أي خلل قد يطرأ أثناء التشغيل.
كما تلقت (شاهد)
خلال إعداد التقرير عددًا من الملاحظات المتعلقة بإدارة بعض الآبار وآليات توزيع
المياه، وهي ملاحظات تستوجب التحقق منها من الجهات المختصة، بما يعزز الشفافية
والثقة في إدارة هذا المرفق الحيوي.
كما أظهرت
المقابلات الميدانية الحاجة إلى تعزيز آليات الإشراف والمتابعة على تشغيل الآبار،
لا سيما أن عددًا من القائمين على متابعتها يعملون بصفة تطوعية، الأمر الذي يستدعي
وجود إطار تنظيمي واضح يضمن الالتزام بخطط التشغيل والتنسيق بين مختلف الجهات
المعنية.
سادسًا: الآثار
الحقوقية والإنسانية للأزمة
لا تقتصر أزمة المياه
في مخيم عين الحلوة على كونها مشكلة خدمية، بل تمس أحد الحقوق الأساسية للإنسان،
وهو الحق في الحصول على مياه كافية وآمنة، لما لذلك من ارتباط مباشر بالحق في
الصحة والحياة الكريمة ومستوى معيشي لائق. ويقتضي احترام هذا الحق أن تكون المياه
متوافرة بصورة منتظمة، وآمنة صحيًا، ومتاحة لجميع السكان دون تمييز. ولا تنحصر
آثار الأزمة في صعوبة تأمين مياه الشرب فحسب، بل تمتد إلى النظافة الشخصية، والصحة
العامة، وسير الحياة اليومية، كما تزيد من الأعباء الاقتصادية على الأسر التي تضطر
إلى شراء المياه أو اللجوء إلى مصادر بديلة، وهو ما يفاقم معاناة آلاف اللاجئين
الفلسطينيين في ظل ارتفاع معدلات الفقر واستمرار الأزمات الاقتصادية التي يشهدها
لبنان.
سابعًا: التوصيات
توصي المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) بما يلي:
- اعتماد آلية
شفافة وعادلة لتوزيع المياه بين جميع أحياء المخيم، مع نشر جداول الضخ بصورة
دورية.
- تعزيز
الرقابة على تنفيذ جداول تشغيل الآبار، ومعالجة أي خلل في توزيع المياه بصورة
فورية.
- وضع إطار
واضح للإشراف والمتابعة على تشغيل الآبار، بما يضمن الالتزام بجداول الضخ
والتنسيق بين الجهات المعنية، وبما يراعي طبيعة شبكة المياه الدائرية.
- دراسة توسيع
الاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار، بما يحد من تأثير أزمة الكهرباء
والمحروقات.
- تنفيذ برنامج
دوري لصيانة شبكة المياه ومعالجة التسربات والحد من فاقد المياه.
- تركيب عوامات
لخزانات المياه وتعزيز حملات التوعية بترشيد الاستهلاك.
- إجراء تقييم
فني شامل للمناطق الأكثر تضررًا، ووضع حلول هندسية لتحسين وصول المياه إليها.
- تعزيز
التنسيق بين الأونروا واللجان الشعبية والفصائل والجهات المحلية بما يضمن
إدارة تشاركية وفعالة لهذا المرفق الحيوي.
- تعزيز
الشفافية في إدارة وتشغيل منظومة المياه، والاستجابة السريعة لشكاوى السكان.