فعاليات وزيارات

غزة بعد وقف إطلاق النار: هل تبدأ معركة المساءلة أم يُعاد إنتاج الإفلات من العقاب؟

في مرحلة تتكاثر فيها الأسئلة حول ما إذا كان وقف إطلاق النار في غزة سيقود إلى المساءلة أم إلى إعادة إنتاج الإفلات من العقاب، نظّمت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، يوم الخميس 22 كانون الثاني 2026، ندوة إلكترونية متخصصة عبر تطبيق Zoomبعنوان: "غزة بعد وقف إطلاق النار… قراءة قانونية في العدالة الدولية ومسارات المساءلة" وذلك بمشاركة نخبة من القانونيين والخبراء والباحثين والمحامين المعنيين بالشأن القانوني والحقوقي الفلسطيني.

وأدار الندوة مدير المؤسسة، الدكتور محمود الحنفي، الذي أكّد في كلمته الافتتاحية أن وقف إطلاق النار لا يعني تعليق المساءلة أو طيّ صفحة الجرائم المرتكبة، بل يفرض مضاعفة الجهود القانونية والحقوقية لضمان عدم الإفلات من العقاب، وتحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى مسار فعلي للمحاسبة والإنصاف.

وتضمّنت الندوة ثلاث أوراق متخصصة. ففي الورقة الأولى بعنوان "غزة بعد وقف إطلاق النار: الالتزامات القانونية الإنسانية وفتح المعابر"، تناولت الناشطة الحقوقية من غزة الأستاذة أميرة شعث الأبعاد القانونية والإنسانية لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، مؤكدةً أن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ورفع القيود المفروضة على إدخال المساعدات وفتح المعابر، يُشكّل التزامًا قانونيًا غير قابل للتجزئة، محمّلةً المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأخلاقية إزاء الخروقات الإسرائيلية المستمرة وتقييد العمل الإنساني في قطاع غزة.

وفي الورقة الثانية بعنوان "المساءلة القانونية: لا عدالة من دون مساءلة"، أشار المحامي عبدالمجيد المراري إلى أنه رغم التحديات الجسيمة التي تواجه مسار المساءلة، فقد تحققت اختراقات غير متوقعة، أبرزها صدور مذكرتي توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة في الاحتلال، إلى جانب تحرّك محاكم وطنية ذات اختصاص عالمي في عدد من الدول لإصدار مذكرات توقيف بحق جنود إسرائيليين متورطين بجرائم حرب. وأكد أن هذه التطورات لم تكن لتتحقق لولا الدور المحوري الذي اضطلعت به المنظمات الحقوقية من خلال التوثيق المهني وتقديم الأدلة والبيانات.

وفي المقابل، شدّد على أن هذا المسار يواجه ضغوطًا هائلة تُمارَس على القضاة وأجهزة العدالة الدولية، من بينها عقوبات مالية مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن تهديدات سياسية تهدف إلى عرقلة التقدّم في ملفات المساءلة. كما لفت إلى أن محكمة العدل الدولية، رغم ثقل قراراتها، تفتقر إلى آليات تنفيذية فعّالة، ما يحدّ من الأثر العملي لأحكامها في ظل غياب أدوات الإلزام.

أما الورقة الثالثة بعنوان "الحوكمة الدولية لغزة بعد الحرب: بين مبادرات السلام والمرجعيات القانونية والدولية"، فقد قدّمها الدكتور أنيس فوزي قاسم، الذي أكّد أن ما يُروَّج له تحت مسمّى "مجلس السلام لغزة" يُشكّل تعارضًا واضحًا مع قواعد القانون الدولي، ومحاولة لابتداع هيئة دولية موازية لمنظومة الأمم المتحدة، بما يمسّ جوهر مبادئ حق تقرير المصير، والعدالة الدولية، والمساءلة القانونية.

وأوضح أن هذه الطروحات تهدف إلى إعادة إنتاج الوصاية على غزة وتجاوز الإرادة الفلسطينية، في انتهاك صريح لقواعد الشرعية الدولية. وشدّد على أن ثبات الفلسطينيين على أرضهم يُعدّ العامل الحاسم في إفشال هذه المشاريع، داعيًا إلى تمكين لجنة تكنوقراط فلسطينية تضطلع بدور إنساني وإداري فاعل، يرتكز على إدخال المساعدات دون عوائق، وفتح المعابر، والبدء الفعلي بعملية إعادة الإعمار، بما يعزّز صمود سكان غزة في ظل واقع إنساني بالغ الصعوبة.

وشهدت الندوة نقاشًا تفاعليًا، تخللته مداخلات ركّزت على آفاق المساءلة الدولية، وحدود العدالة في ظل موازين القوى، ودور المجتمع المدني في المرحلة المقبلة.

وفي ختام الندوة، أُعلن عن صدور كتاب "العدالة المعطّلة: غزة والإبادة الجماعية في ميزان القانون الدولي" للدكتور محمود الحنفي، بتقديم قانوني من الدكتور أنيس فوزي قاسم.

المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)

بيروت – 23 كانون الثاني 2026