إعلان الدولة الفلسطينية... هل يشكل تمييعاً حقيقياً لثوابت راسخة متعلقة بحق العودة؟

إعلان الدولة الفلسطينية... هل يشكل تمييعاً حقيقياً لثوابت راسخة متعلقة بحق العودة؟
  
أعده محمود حنفي لمركز العودة الفلسطيني والمؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)
الأربعاء, 14 ديسمبر 2011 13:22 محمود حنفي

رؤية قانونية
في ذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في كانون أول 1948، وصدور القرار 194 المتعلق بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى موطنهم في نفس العام أيضاً، وتأسيس وكالة الأونروا في نفس الشهر عام 1949، وفي ظل الزخم الإعلامي الذي رافق خطوة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الدعوة الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة على الاراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967م،  طرحت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) ومقرها في بيروت، ومركز العودة الفلسطيني ومقره لندن تساؤلات تتعلق بمصير اللاجئين الفلسطينيين ومصير القرار 194. وذلك ضمن تقرير صدر بهذه المناسبات.

التساؤلات:
1.    ما هو مستقبل اللاجئين الفلسطينيين؟ وهل سوف يعودون إلى الدولة الفلسطينية العتيدة على أراضي عام 1967؟ وهل ستسمح لهم إسرائيل بذلك؟ أم أن مصيرهم سوف يصبح غامضاً؟
2.    هل سوف يتحول اللاجئون الفلسطينيون إلى رعايا دولة فلسطين بحيث يمنحون جوازات سفر صادرة عن الدولة الفلسطينية العتيدة، ومن ثم يدفعون رسوم الإقامة السنوية؟ وماذا عن مصير المخيمات الفلسطينية هل سوف يبقى وضعها على ما هو عليه؟
3.    ماذا عن واقع الأونروا وماذا عن مستقبلها؟ هل ستبقى قائمة على ما هي عليه أم أن إعلان الدولة الفلسطينية سوف يؤثر سلباً على وجودها؟ وهل الوضع القانوني لها سوف يظل قائماً كما هو؟
4.    ماذا عن مصير القرارات الدولية لا سيما القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة والمتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى موطنهم الأصلي؟
5.    هل سيؤدي إعلان الدولة الفلسطينية رسمياً في الأمم المتحدة إلى مزيد من الضباب القانوني والسياسي ومزيد من التهميش للاجئين الفلسطينيين؟ وهل منظمة التحرير الفلسطينية مستعدة للإجابة عن كل هذه الأسئلة؟ وهل درست خطواتها بشكل منهجي وعلمي؟

سنناقش هذه الأسئلة ونبحث في إجاباتها ضمن ثلاثة نقاط:
المحور الأول: التعريف القانوني لحق العودة
المحور الثاني: التعريف القانوني للقرار 194
المحاور الثالث: التعريف القانوني لإعلان الدولة الفلسطينية والآثار المترتبة عليه

النقطة الأولى: التعريف القانوني لحق العودة:
يشكل حق الفرد في العودة إلى بلده جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان. فالمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  الصادر سنة 1948 تنص على ما يلي:
"لكل فرد حق في حرية التنقل، وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة.
لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده".
وتنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 1966 على أن "لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.. ولا يجوز حرمان أحد تعسفاً، من حق الدخول إلى بلده”.
وقد حرصت هاتان المادتان على ذكر مصطلح "بلده" وليس "دولته" وذلك منعاً لأي مساس بحق العودة إلى الموطن الأصلي.

كما أن القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة  لعام  1949 والخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب، قد حسم بشكل قاطع مسألة حق العودة إلى الموطن الأصلي.

وتعتبر أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين زمن الحرب ذات طبيعة آمرة لا يجوز مخالفتها  بأي اتفاق تعاقدي آخر، وبالتالي فإن عدم الترحيل وضرورة العودة إلى المكان الأصلي والأخير للفرد تعتبران ركناً أساسياً  من أركان الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

إن حق العودة حق طبيعي يستند إلى القانون الطبيعي، وهو من الحقوق غيرالقابلة للتصرف، لا يستطيع أي فرد أو حتى مجموعة أفراد التصرف فيه، كما لا يحق لأية قيادة منتخبة أو غير منتخبة أو أي حزب  أو جهة أوحكومة التصرف فيه. كما لا يمكن لأي اتفاق تعاقدي أن يلغي هذا الحق أو أن يمس جزءاً منه.

النقطة الثانية: التعريف القانوني للقرار 194:
لم ينشء القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة سنة 1948 حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى موطنهم الأصلي، وإنما جاء ليؤكد  الأساس العرفي لحق العودة. كما أضاف القرار 194 ميزة إضافية لحق الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وقراهم. فالقرار 194 تناول حق العودة باعتباره حقاً جماعياً (اللاجئون الفلسطينيون) وليس باعتباره حقاً فردياً فحسب. والقرار 194 أكد عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم (ديارهم وممتلكاتهم الأصلية) بصرف النظر إذا كانت هذه البيوت واقعة في دولة مستقلة أو في إقليم خاضع للإحتلال.

ومع أن القرار 194 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تصدر قرارات غير ملزمة في العموم. إلا أن القرار 194 أصبح ذات طبيعة ملزمة، وفقاً لخبراء في القانون الدولي، وذلك كونه يرتبط بالسلم والأمن الدوليين، وكونه يؤكد قاعدة عرفية في القانون الدولي ( كما سبقت الإشارة)، وكون أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت مضمونه من دون أي تعديل مرات كثيرة، وبأكثرية موصوفة، مما شكّل رأياً دوليًّا عاماً ثابتاً لجهة الإقرار بمضمون هذا القرار وما يترتب عليه من حقوق.
كما أن للقرار 194 معنى هاماً للغاية وهو أن إسرائيل تعهدت، بموجب بروتوكول لوزان الذي ترتب عليه قبول عضويتها في الأمم المتحدة في 12 مايو 1949، بعودة اللاجئين الفلسطينيين. هذا التعهد يرتب عليها التزامًا دوليًا بتنفيذ القرار (194) و السماح بعودتهم دون شروط، إلا أن إسرائيل رفضت تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، الأمر الذي يثير عدم مشروعية قبول إسرائيل في الأمم المتحدة، باعتبار نشأتها مستندة على شرط فاسخ وهو عودة اللاجئين.

خلاصة القول أن القرار  194  يعتبر ملزماً على  الصعيد القانوني العام، وهو يؤكد حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وهو حق العودة. وهو يشكل رصيداً قانونياً هاماً جداً في الصراع العربي الإسرائيلي، لا ينبغي التفريط به أو المساس بمكوناته، أو تمييع مضامينه أو إغفالها. لإن قضية اللاجئين الفلسطينيين تعتبر المكون الرئيس للقضية الفلسطينية، حيث يمثل اللاجئون أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني.

النقطة الثالثة: إعلان الدولة الفلسطينية وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين

أولا: شروط قبول الدولة كعضو في الأمم المتحدة:
ثمة شروط موضوعية لقبول عضوية الدولة في الأمم المتحدة، يمكن استياقها من ميثاق الأمم المتحدة والنظام الداخلي لمجلس الأمن والجمعية العامة وهي:
1.    تقدم الدولة طالبة العضوية طلباً الى الأمين العام تشرح فيها أسباب الانضمام، وموافقتها على شروط الانضمام.
2.    يعرض الأمين العام الرسالة مباشرة على  مجلس الأمن الذي يجب عليه أن ينظر  في الطلب في غضون 35 يوماً على الأقل من انعقاد الدورة العادية للجمعية العامة.
3.    يحوّل رئيس مجلس الأمن الطلب الى لجنة قبول الأعضاء الجدد.
4.    تفحص اللجنة طلب الانتساب مدققة في الشروط الواجب توفرها.
5.    تقدم تقرير الى مجلس الأمن.
6.    المجلس يقرر فيما تقبل هذه الدولة عضواً أو لا.
7.    ولكي تقبل التوصية، يجب أن تحصل على أصوات مؤيدة من 9 أعضاء من أصل 15 عضوا في مجلس الأمن، شريطة أن لا يكون أياً من أعضائه الخمسة الدائمين، (الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية)، قد صوت ضد الطلب. وكما هو معروف فإن الولايات المتحدة تهدد بالتصويت ضد القرار.
8.    يقرر المجلس إصدار توصية الى الجمعية العامة التي تقرر أيضا عبر التصويت 2\3 من الأعضاء. وعندها تكتسب الدولة عضوية الأمم المتحدة.
9.    إذا صدرت توصية سلبية من مجلس الأمن بخصوص نيل الاعتراف بالدولة، يمكن للجمعية العامة اتباع بعض الخيارات والإجراءات القانونية: تستعين الجمعية العامة باجراء "متحدون من أجل السلام" وذلك بموجب قرار رقم 377 لتجاوز رفض مجلس الأمن، شريطة أن يتم تعريف هذه الحالة بأنها "تهديد للسلام والأمن الدوليين".
ومجال الدراسة هذه لا تتسع للبحث في أركان الدولة والشروط الموضوعية الواجب توفرها لقيامها فعلياً، خاصة أن ثمة ملاحظات جوهرية تمس هذه الأركان، خاصة لجهة الإقليم الجغرافي والسلطة والسيادة.

إذن، فالاعتراف الدولي في الجمعية العامة لن يقيم دولة، وتصويت أغلبية الدول في الجمعية العامة لن يضمن انضمام الدولة إلى الأمم المتحدة، فالعضوية محكومة بميثاق الأمم المتحدة الذي ينص في مادته الرابعة على أن قبول أي دولة في الأمم المتحدة يكون بقرار من الجمعية العامة، بناء على توصية مجلس الأمن.

ثانيا: إعلان الدولة والمخاطر المترتبة على حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى موطنهم الأصلي:

الخطوة الفلسطينية هذه تحمل في طياتها مخاطر عدة، قد تكون نتائجها على اللاجئين الفلسطينيين أفدح من اتفاقية أوسلو نفسها.
إن المكاسب التي تبحث عنها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من وراء خطوة إعلان الدولة الفلسطينية لا تتساوى بأي حال من الأحوال الخسائر الفادحة المتوقعة  التي ستلحق بالقضية الفلسطينية في العموم وقضية اللاجئين بشكل خاص.

إن المعركة القانونية التي تنوي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية خوضها ضد الاحتلال الإسرائيلي ترتبط بموازين القوى والمصالح، وإن إعلان الدولة الفلسطينية كدولة عضو في الأمم المتحدة لن يغير في الموازين إلا الشيء القليل. كما أن آليات العمل في محكمة العدل الدولية توجب موافقة طرفي النزاع، وبالتأكيد فإن دولة الاحتلال ترفض أن تقبل بأن تعرض أي قضية تخصها أمام محكمة العدل الدولية. ومجلس الأمن الدولي يخضع للنفوذ الأميركي الكبير.  أما الجمعية العامة فمجال العمل مفتوح أمام الفلسطينيين دون الحاجة إلى إعلان الدولة. كما أن علاقة السلطة الفلسطينية وخاصة أجهزتها الأمنية مع الاحتلال الإسرائيلي لا توحي – ولو جزئياً- بأن ثمة حالة عداء بين الطرفين حتى يتم ملاحقة ضباط وجنود الاحتلال في المحاكم الدولية.

إن تحقيق فرضية قبول فلسطين كعضو دائم في الأمم المتحدة ( وهو أمر مستبعد لأسباب عديدة) يشكل تهديداً لحق العودة، ويمس بشكل جوهري ثوابت فلسطينية ظل الفلسطينيون يناضلون في سبيلها منذ عام 1948.

•    سوف يضعف الوضوح الذي اتسمت به القضية الفلسطينية كقضية عادلة يناضل شعبها الثائر في سبيل الحصول على حقوقه المشروعة وخاصة حقه بالعودة إلى الموطن الأصلي.
•    في ظل ترويج الحكومات الإسرائيلية ليهودية الدولة عالمياً، وليس المقصود هنا الدولة التي أقرها القرار 181 لعام 1947 وإنما دولة للشعب اليهودي في العالم، فإن إعلان الدولة الفلسطينية، فيما لو تحقق، سوف يشكل خطراً حقيقياً داهماً. حيث سيجلب الاحتلال مزيداً من المستوطنين اليهود، وسوف يحرم الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية من جنسيتهم من جهة  ثانية، تمهيدا لطردهم خارج الدولة.
•    إنّ إعلان دولة فلسطين سيُرتّب حتماً تداعيات قانونيّة على وضعيّة اللاجئين الفلسطينيين، خصوصا أنّهم سيحصلون فعليّا على صفة المواطنين المرتبطين بدولتهم، ما يعني طَرح إشكاليّتين. إشكاليّة نوعيّة الوثائق التي ستزوّدهم بها دولة فلسطين من هويّات وجوازات سفر، إلى فاعليّة هذه الوثائق وصلاحيّتها، خصوصا في ظلّ الرفض الإسرائيليّ لإمكانية عودتهم. والإشكاليّة الثانية تكمن في كيفيّة التعامل القانونيّ للدوَل المضيفة مع هؤلاء اللاجئين، خصوصا بعد تحوّلهم إلى رعايا- مقيمين. وهنا مساس واضح لصفة اللجوء المرتبطة بالقرار 194.
•    لم يكن تشكيل الجمعية العامّة للأمم المتحدة في 8 كانون الأوّل 1949، وبناء على القرار (302) وكالة غوث اللاجئين وتشغيل الفلسطينيين "الأونروا"، لم يكن من المتوقّع أن يستمرّ على مدى 63 عاما، لولا نضال الشعب الفلسطيني ميدانياً من جهة واستمرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بعملها بتقديم ما يحتاجه اللاجئون من جهة أخرى. إن إعلان الدولة الفلسطينية سوف يمس بشكل جوهري طبيعة وعمل وكالة الأونروا. وسوف  يصبح  التفويض الممنوح لوكالة الأونروا ناقصاً  في الحد الأدنى، وسوف يُغري الدول المانحة بالتخلي عن دعم صندوق الأونروا ودعم مؤسسات الدولة الجديدة.

إن إعلان الدولة الفلسطينية له فوائد من دون شك، لكن أيضا له نتائج سلبية كبيرة جداً على الأقل الغموض الكبير الذي سيرافق أو يعقب إعلان الدولة. كما أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومسؤولو السلطة الوطنية الفلسطينية قد عجزوا عن إدارة سلطة حكم ذاتي بكل المقاييس المالية والإدارية والسياسية والقانونية محلياً وإقليمياً ودولياً، فهل يقدرون على الخروج من هذه الحفرة التي يريدون للشعب الفلسطيني أن يقع بها؟

خلاصات وتوصيات:
1.    يجب أن تعيد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية النظر في هذه الخطوة، ويجب أن ترتب أولوياتها، وتحسم خياراتها بشكل سليم وواضح، بعيداً عن أي مغامرة ترتب على اللاجئين خسائر إضافية  فادحة.
2.    إن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان بكل مضامينهما وأحكامهما يشكلان سنداً للقضية الفلسطينية، وإن الاحتلال الإسرائيلي يدرك ذلك جيداً. إن أي تمييع لهذه المضامين القانونية يشكل مساساً بالأدوات المستخدمة في المعركة القانونية.
3.    إن انتهاك إسرائيل بشكل يومي ومبالغ فيه للحقوق الأساسية للإنسان وخاصة حقه في العودة، تصبغ الواقع الحياتي اليومي للشعب الفلسطيني بالألم والمرارة. ولا يخفى  أن تجاوز ذلك.
 
ويمكن قراءة التقرير على موقع مركز العودة الفلسطيني في لندن