حق العودة وتقرير المصير

حق العودة وتقرير المصير
الاستاذ علي هويدي، مندوب مركز العودة الفلسطيني في لبنان

تشكل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة أهم قضايا التسوية السياسية الجارية، لأنها تعكس جوهر الصراع في المنطقة ومستقبله منذ وقبل نكبة فلسطين في العام 1948 ببعديها الديموغرافي والجغرافي. وقد بدأ المحتل الإسرائيلي يدرك حقيقة حق العودة كعنصر رئيسي في معادلة الصراع، ولذلك لم تتوقف محاولاته من تفريغ هذا الحق من مضمونه بمشاريع وخطط سياسية منذ قيام الكيان الإسرائيلي وحتى يومنا هذا. وقد وصف أول وزير خارجية إسرائيلي، موشيه شاريت، طرد السكان العرب من فلسطين على انه " أهم حدث في التاريخ المعاصر لفلسطين وانه أكثر إثارة من إنشاء الدولة اليهودية "(1).
تسعى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى طي صفحة اللاجئين إلى الأبد،  وقد وصل الأمر بحكومة شارون إلى حد المناداة العلنية بتنفيذ عمليات توطين اللاجئين حيث هم في أماكن اللجوء وبمساعدات دولية وعربية، وشكل مؤتمر هرتسيليا الخامس الذي عقد بين 14- 16 كانون الأول / ديسمبر 2004 ذروة الهجوم الإسرائيلي على حق العودة بمطالبة واضحة بتوطين اللاجئين قبل حل القضية الفلسطينية، وجعل ذلك شرطا لإمكانية التوصل إلى تسوية مع السلطة الفلسطينية، فاعتبر سيلفان شالوم في خطابه أمام المؤتمر بأن : "حجر الأساس المركزي في بناء الثقة كان وما زال مطالبة الفلسطينيين بـ (حق العودة) واستخدام (الإرهاب) لذلك علينا أن نعمل من اجل إزالة حجر الأساس الكامن في ادعاءات العودة الفلسطينية وإن الطريق للقيام بذلك هي بواسطة أقوال وأعمال فلسطينية، بأن يقول الفلسطينيون أنهم ينوون ترميم مخيمات اللاجئين في الأماكن التي تتواجد فيها اليوم وعلى العالم اجمع أن يساهم في ذلك، فثمة فائدة كبيرة في الجهود لترميم مخيمات اللاجئين للفلسطينيين لنا وللعالم". وأكد حقيقة الغاية الإسرائيلية من الحل الذي تسعى إلى تحقيقه بطي صفحة اللاجئين عبر قوله " إن ثمة حاجة لان يقول الفلسطينيون بوضوح أن تطلعاتهم الوطنية لا تشمل عودة اللاجئين إلى تخوم إسرائيل ".
وليس هذا فحسب بل أن شارون تباهي بتوافقه مع الولايات المتحدة بشأن إسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى حدود 1948، واكد على ذلك عقب الانسحاب من قطاع غزة " لا مزيد من خطط فك الارتباط الاحادية الجانب ولا مفاوضات حول القدس ولا لعودة اللاجئين " فيما طالب نتنياهو أن يتم " جهد حثيث لتفكيك مخيمات اللاجئين وإبعاد العنف عن هذا المجتمع". وبذلك جعل نتنياهو تمسك الفلسطينيين بحق العودة والإصرار عليه ( إرهاب وعنف ).

وبجانب هذه المواقف العلنية خطى الكيان الإسرائيلي باتجاه تحركات فعلية لإخراج رؤية التوطين إلى حيز الواقع، ففي تصريحات للمدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية رون بروسور قال لإذاعة الجيش الإسرائيلي في 15/12/2004 " إن وزارته تعد مخططا لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان. حيث يموّل المجتمع الدولي تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، في قطاع غزة أولا وبعد ذلك في الضفة الغربية ثم في سوريا ولبنان. وان وزير الخارجية الإسرائيلية سيلفان شالوم، توجه مؤخرا إلى الدول المانحة والبنك الدولي مطالبا برصد أموال للمخطط الإسرائيلي، وان الخطة ستطلب من دول العالم أن تستوعب لاجئين فلسطينيين في أراضيها "!

الأمم المتحدة والكيل بمكيالين
إذا كان القانون الدولي مجموعة من المبادئ والقيم أجمعت عليها معظم دول العالم ووقعت عليه، ورأت في تلك المبادىء وسيلة لحفظ الحقوق وإعطائها لأصحابها الأصليين وتنظيم العلاقات فيما بين تلك الدول والإشراف عليها.. فان المجتمع الدولي يتعامل –وللأسف- مع هذه القوانين بطريقة يحكمها ميزان القوى والسيطرة والنفوذ عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
وإذا كانت الشرعية الدولية  يقصد بها طريقة تطبيق أجهزة الأمم المتحدة للقانون الدولي، فقد مارست الأمم المتحدة تطبيق القوانين الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية بالتحيز التام للمحتل الإسرائيلي المعتدي، وبعد تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة الكاملة على المؤسسة الدولية فقد اتخذت الأمم المتحدة تحت مظلة الشرعية الدولية، أساليب بعضها كان خرقا واضحا للقانون الدولي، ومن هنا كان لا بد من الاتفاق على أن القانون الدولي شيء وتطبيق هذا القانون قد يكون شيئا مختلفا تماما وهذا ما كان واضحا وجليا في موضوع القضية الفلسطينية عموما وقضية اللاجئين وحق العودة بشكل خاص.
لذلك فإن العالم الذي يتعامل مع القضايا الدولية بأكثر من معيار، يحتاج إلى موقف حازم في قضية حق العودة للاجئين الفلسطينيين، فقد أقر اتفاق دايتون للسلام في يوغسلافيا السابقة بحق العودة لمن كانوا ضحايا التطهير العرقي وكذلك في تيمور الشرقية وغواتيمالا وموزمبيق وغيرها. وقد أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في أوائل عام 1996 بأن " ما لا يقل عن تسعة ملايين لاجئ تم إعادتهم لأوطانهم خلال السنوات الخمس الماضية، وأن 1.2 مليون لاجئ أعيدوا في الفترة ما بين 1985 – 1995.. أي أنه في خلال عشر سنوات تم إعادة 10.2 مليون لاجئ إلى ديارهم (2(.
وبناء عليه فإن من حق الشعب الفلسطيني أن يقبل أو يرفض ما يشاء من قرارات وقوانين، حسب الأصول والمعايير التي تخدم مصلحة هذا الشعب وبالتالي فان الشعب الفلسطيني ليس ملزما بقبول أي قرار ينتقص من حقوقه في وطنه، إذ ندرك ونفهم تماما أن الحل التاريخي للقضية الفلسطينية يكمن في جزئيات اللاجئين، وكل ما يتعلق بهذه القضية، هو تطبيق العدل، الذي يقضي بعودة كل أبناء فلسطين إلى ممتلكاتهم وبيوتهم في فلسطين وليس إلى أي مكان آخر.

حق العودة وتقرير المصير
" تطور حق العودة بإسهامات من الأمم المتحدة ولاسيما الجمعية العامة للأمم المتحدة باتجاهين أساسيين، اتجاه انه أصبح ابتداء من نهاية الستينات حقا غير قابل للتصرف، وتطور باتجاه آخر عندما اقترن في الحق في تقرير المصير، وكان القرار 194 الذي صدر سنة 1948 قد حول هذا الحق مع تأكيد على فرديته إلى حق جمعي بمعنى أن الشعب الفلسطيني له الحق في العودة والتعويض وليس أو التعويض، هذا الحق الجمعي أي حق الشعب الفلسطيني في العودة تبنته الأمم المتحدة منذ نهاية الستينات وأكدت على عدم التصرف به وأكدت كذلك على اقترانه بالحق في تقرير المصير على اعتبار انه ملازم كشرط أساسي لممارسة الحق في تقرير المصير " (3).
 والاجتهاد الدولي في عدد كبير من أحكام محكمة العدل الدولية باتت تعتبر الحق في تقرير المصير من القواعد الآمرة في القانون الدولي بحيث لا يجوز عرقلة هذا الحق أو الامتناع عن تأكيده أو القيام بأي تصرف يحول دون إقراره.
وبذلك أصبح حق الشعب الفلسطيني بالعودة ليس فقط من الحقوق الغير قابلة للتصرف إنما من الحقوق الأولى المشروطة كشرط مسبق لحق تقرير المصير. " وهذا يعني أن أية سلطة فلسطينية سواء كانت معينة أو منتخبة لا يحق لها التصرف بهذا الحق. ويعني أيضا أن أية دولة أخرى أو أي فريق ثالث لا يجوز له التصرف بهذا الحق بقدر ما هو حق جمعي للشعب الفلسطيني وبقدر ما هو ضروري لتقرير المصير "(4) لأن التصرف به ممكن أن يحرم حوالي ثلثي الشعب الفلسطيني من ممارسة تقرير المصير فضلا من حرمانه من العودة بشكل رئيسي.
ولهذا فأن حق العودة مكرّس في القانون الدولي كحق فردي في الأساس كما تشير المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من الشرعة الدولية للحقوق السياسية والمدنية والمادة 5 من اتفاقية حظر التمييز العنصري. كل هذه المواد تؤكد على " أن للمرء حقا في أن يغادر إلى أي بلد حتى بلاده وفي أن يعود إلى بلده ولا يجوز حرمان أحد من العودة إلى بلده تعسفا ". إذا حق العودة " مكفول بحق تقرير المصير، وهو ما اعترفت به الأمم المتحدة عام 1946م كـ "مبدأ " و "حق" وهو ليس قرارا سياسيا، أو اتفاقا بالتراضي والتسوية " (5).
إذن فحق العودة مكفول على المستوى الفردي، عن طريق ميثاق الأمم المتحدة، وعلى مستوى الجماعي، عن طريق حق تقرير المصير.
حق العودة، طبيعته، مكانه وصاحبه
" هناك حقيقة يعرفها الفلسطينيون والعرب وكل من يدرك حقيقة حق العودة في القانون الدولي، أن حق العودة في أي مكان وأي زمان يتعلق بالنزاع حول عنصرين رئيسيين هما البشر والأرض ".(6). إن حق العودة حق قانوني، وهو حق مرتبط بحق الملكية والانتفاع بها، والعيش على الأرض المملوكة، وحق العودة لا يزول بزوال الاحتلال أصلا وهذه قضية مرفوضة دوليا. وبعد أن كثرت التفسيرات والتأويلات  نجد من المهم أن يتم تسليط الضوء على طبيعة حق العودة ومن هو صاحبه والمكان الذي من المفترض أن يجري الحديث عنه. 
حق العودة للشعب الفلسطيني هو حق فردي  بالأساس ولكنه يكتسب بعدا جماعيا لأنه يختص بقضية شعب بأكمله وانه ذو طبيعة مدنية إنسانية والمقصود منها استعادة الممتلكات، وهو في نفس الوقت ذو طبيعة سياسية تعني استعادة المواطنة أي الجنسية.
أما مكان العودة فلا لبس فيه ولا ريب بان المقصود من ذلك هو العودة إلى فلسطين المعروفة تاريخيا، يعني أن يعود ابن حيفا إلى حيفا وابن عكا إلى عكا وابن صفد إلى صفد..
وعن صاحب الحق يقول جيرو دو لا براديل  "إن حق العودة يجعل الفلسطيني صاحب حق، ويتمتع بهذا الحق كل فرد من أفراد المجموعة على حدة، إن هذا الطابع الفردي والمدني الذي يتحلى الإنسان به يسمح له بصورة مبدئية بحل مسألة من المسائل  العلمية المهمة وهي مسألة قابلية الانتقال عن طريق الإرث بسبب الوفاة " (7).
لقد اخترع الكيان الإسرائيلي قانون عودة زائف لليهود أطلقه في العام 1951 ومارس بعد ذلك جلب من هم غير يهود إلى فلسطين، فاليهودي وغير اليهودي يأتون من دول مختلفة ويقيمون في بيوتنا.أما العودة الذي يجب أن نستمر في التمسك بها نحن الفلسطينيون، فهي حق أقرته الشرعية الدولية واعترفت به وليس اختراع.
الـتـعـويـض
شعار العودة أو التعويض يجب أن يكون مرفوضا وملغياً من القاموس الفلسطيني فشعارهم هو "العودة والتعويض".. ولا يعني التعويض هو ثمن المنزل أو الأرض أو البيارة...، إن المقصود هو التعويض عما لحق بالشعب الفلسطيني من خسارة عدم استغلال  الموارد ومصادر الحياة طيلة سنوات الشتات..
حق الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم والعيش فيه وممارسة سيادتهم عليه هو الأساس، وان البحث عن حق التعويض لا يعني بديلا عن الحق الأساسي بل هو إبراز للجوانب القانونية لهذا الحق. حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطنه لا يقدر بقيمة مالية، وهو أمر غير خاضع للمقايضة وان الوطن والسيادة لا تباع ولا تعوّض وان مجرد التفكير بحل مالي فقط لقضية اللاجئين كما طرح في يوم الأيام بان " يعطى كل لاجئ فلسطيني20 ألف دولار مقابل أن يعترف الكيان الإسرائيلي بالمسؤولية الأدبية" هو بمثابة إساءة للقضية ذاتها بل وللقيم الإنسانية برمتها.
وفي ضوء ذلك لا يمكن البحث عن حل لقضية اللاجئين دون البحث في حل القضية السياسية ذاتها، التي كانت سببا لظهور المشكلة، وان استمرار وتفاقم قضية اللاجئين، هو مؤشر أساسي عن استمرار وتفاقم القضية الأساس، الأمر الذي يضع هيئة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والعالم العربي أمام مسؤولياتهم التاريخية في إعادة تصويب الأمور، ووضعها في مسارها الطبيعي وهو السبيل لإيجاد حل جذري لقضية اللاجئين الفلسطينيين. " لقد جاء ذكر هذا الحق ( العودة والتعويض )  والتأكيد عليه في العديد من القرارات الدولية منها : اتفاقية جنيف الرابعة، قرار الجمعية العمومية رقم (194) بتاريخ 11/12/1948، قرار التقسيم رقم ( 181 ) الصادر في 29/11/1947، حق استرداد الأموال والممتلكات والتي كفلتها القوانين الدولية "(8).
ولكن " يجب أن نقف بحذر هنا عند بعض المعاني التي وردت في القرار 194 الصادر في 11/12/ 1948 والذي جاء فيه ".. ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم وعن فقدان أو تضرر الممتلكات. إذ من المفترض هنا، وإزاء هذين الشقين، فإن على الشعب أن يرفض " قبول تعويض عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة " لأن هذه الممتلكات هي إرث، وليس من حق فرد أن يقبض ثمن ملك له صفة الطابع الجماعي..." (9).
وكنتيجة فان حق العودة والتعويض يجب ألا يترك كقضية بين الفرد الفلسطيني والكيان المحتل، بل لا بد من رعايته دوليا، كما أن الفلسطينيين في كيانهم السياسي ملزمون بتبني هذا الأمر ومن خلفهم العرب والمعنيون، وإذا تخلفت السلطة أو الحكومة الفلسطينية أو قصرت فبالتالي تفقد تلقائيا أهليتها كوكيل.
التـوطين والـتهجير
مشاريع التوطين ليست بجديدة على الشعب الفلسطيني وقد طرحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على الأقل 12 مقترحا لحل مشكلة اللاجئين. وقد ركزت كل تلك المقترحات على إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم والآن يتم إعداد مشاريع توطين اللاجئين في مراكز أبحاث ودراسات يشرف عليها يهود أمريكيون من بينهم الباحثة اليهودية دونا آرزت من أصل روسي، التي أعدت عام 1999 مخطط توطين بناءا على طلب الحكومة الأمريكية لصالح جامعة سيركوز في ولاية نيويورك، تضمن الدعوة لتهجير وإعادة توزيع خمسة ملايين و257 ألف فلسطيني على دول منطقة الشرق العربي وبعض دول الغرب كحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي. وجاءت بعد ذلك المحللة السابقة في وكالة الاستخبارات الأمريكية كاثلين كريستيسون في العام 2000 لتقول بان " توطين اللاجئين في الدول العربية مثّل فكرة أكثر راحة للولايات المتحدة إذ أنها لم تحمل في طياتها جدالا مع إسرائيل، كما أنها تناغمت مع الفكرة الكونيالية القديمة القائلة بأنه إذا ما تحققت قناعات الدول العربية واللاجئين من الناحية الاقتصادية فإن الجانب السياسي في المشكلة سيختفي".
ومشروع آرزت يطالب الأردن باستيعاب (توطين) 168 ألف لاجئ حتى عام 2005، بالإضافة إلى توطين 1,182,000 لاجئ فلسطيني يتواجدون حاليا في الأردن، وسوريا 75 ألفا وتوطين مثلهم في لبنان،إضافة إلى 519 ألفا في السعودية والكويت والعراق ومصر، بالإضافة إلى 446 ألفا موجودين حاليا في الدول الأربعة الأخيرة.
وتقترح آرزت استيعاب (توطين) 90 ألف لاجئ في دول أوروبا والولايات المتحدة وكندا، عدا المتواجدين فيها أصلا، كما اقترحت إعادة 75 ألف لاجئ من الدول العربية إلى فلسطين المحتلة من عام 1948 بشرط " أن يثبتوا أنهم سكنوا فلسطين قبل النكبة أو أن لهم أقارب حاليا يعيشون في أراضي عام 48، وهؤلاء سيدفع لهم تعويضات من كيس الدول العربية، عبر التعويضات التي تطالب بها مقابل أملاك اليهود، الذين غادروها منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين " وكل ذلك يتوافق تماما مع الموقف الإسرائيلي المطالب بالتوطين واستيعاب رمزي محدود لعدد من اللاجئين الفلسطينيين في الكيان الإسرائيلي وعدم الاستعداد للمشاركة في أي تمويل من خلال اقتراح آرزت مشاركة دول الغرب ودول الخليج في توفير الموارد المطلوبة لما تسميه بـ " إعادة توزيع الفلسطينيين في العالم  "، أي توطينهم، وبالتالي لا يستطيع الفلسطيني أن يرى من خلال تلك الخطة إلا مزيدا من التهجير والتشتيت.
وأحدث الدعوات إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين بدا مع بداية العام الجاري 2005 من خلال ما طرحه شارون على دول الاتحاد الأوروبي من خطة تتشابه إلى حد كبير مع خطة آرزت إذ تهدف إلى " إنهاء مشكلة لاجئي 48 الفلسطينيين من حيز الوجود، وذلك عبر إقامة مناطق عمرانية ثابتة ومبان، وتسكينهم داخل دول الجوار المتواجد بها مخيمات اللاجئين وبناء مساكن دائمة للاجئين وأسرهم بدلا من المخيمات المؤقتة التي يقيمون بها حاليا، ونقل عدد من اللاجئين المتواجدين في دول الجوار بالمخيمات إلى أماكن أخرى عمرانية داخل دول الجوار لتذويبهم في المجتمعات العربية وتوفير الخدمات لهم والمرافق وإزالة أسباب شكواهم من الاقامات المؤقتة بالمخيمات ولهذا فان وزارة الخارجية الإسرائيلية تعد الآن للتحرك الدبلوماسي والسعي لدى دول عربية وأوروبية، لممارسة الضغوط للحصول على دعم لهذه الخطة وزيادة موازنة الأنروا للعام الجديد 2005 بمبلغ 339 مليون دولار وبنسبة قدرها 7و2% عن العام المنصرم 2004، لتحويل هذه الزيادة لإقامة مساكن ثابتة يستوطن بها اللاجئون" (10).
المخاوف من التجنيس
لقد اعترف العالم بحق كل إنسان في الحصول على جنسية بلده، وجنسية أي دولة أخرى تعطيه إياها، وهذا على مستوى التشريع والممارسة، ومن حق الشعب الفلسطيني ككل شعوب الأرض، أن يعامل بنفس المعايير، ولا يعني هذا أنه إذا حصل الفلسطيني على جنسية عربية أو أجنبية فانه بذلك يفقد حقه في العودة إلى فلسطين والتجنس بالجنسية الفلسطينية، وهذا ما تشهده الساحة الأوروبية والغرب من وجود شخصيات فلسطينية حصلت على جنسيات دول مختلفة ولا زالت تمارس دورها الوطني في الحفاظ والحماية والدفاع عن حق العودة. وما يدور الحديث عنه من دعوة لدول اللجوء بإعطاء الجنسية للفلسطينيين المقيمين في تلك لدول،  لا تأتي في هذا السياق وإنما تأتي منسجمة مع إلغاء حق العودة باعتبار أن الدعوة إلى التجنيس الجماعي للاجئين يفقد المسؤولية الدولية تجاههم وبالتالي حرمانهم من حقوقهم المشروعة وهذا يأتي منسجما تماما مع الطريحات الإسرائيلية التي سبق ذكرها.
ولذلك فان أي محاولة لتوطين أي فلسطيني من الممكن أن تنجح في المستقبل لأي سبب من الأسباب، فرديا كانت أو جماعية، فهذا لا  يلغي حق الفلسطيني التاريخي في العودة إلى بيته ومسقط رأسه والحصول على جنسيته في فلسطين. كما أن إقامة أو توطين أو تجنيس أي لاجئ فلسطيني أو نسله في أي بقعة على الأرض لا تفقده حق العودة إلى بيته وأرضه في فلسطين، فيجب أن يكون هناك إجماع فلسطيني بان سكن اللاجئ في أي مكان مهما قرب من فلسطين فانه لا يفقده حقه في العودة إلى قريته وبيته الذي كان يسكنه قبل العام 1948.
ولذلك وفي حالة قيام دولة فلسطينية فإن اللاجئ الفلسطيني الذي قد ينتقل من أي بلد عربي أو أجنبي إلى تلك الدولة أو ما يجري الحديث عنه في هذه الأيام من نقل للآلاف من الفلسطينيين من لبنان إلى غزة.. وبحسب قانون الأمم المتحدة لا يفقد حقه في العودة والتعويض إلى البلد التي خرج منها لاجئا عام 1948 أو بعده.
 
المشاركة في تقرير المصير
نتيجة للتبريرات المتعددة التي يطلقها المفاوض الفلسطيني في كل مرحلة، من اتفاقيات مرحلية ومؤقتة أو بسبب الوضع العربي أو نتائج حرب الخليج أو تفرد أمريكا بقيادة العالم.. وغيرها من التبريرات، ففي كل مرة يتم إطلاق التصريحات، وتتحدد المواقف من قضية ما، ثم يحدث التراجع مشفوعا بتلك التبريرات، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من منعطفات خطيرة، تحتاج الى وقفة جادة خاصة ونحن الآن على أعتاب اللقاء المرتقب بين محمود عباس وشارون ( لبحث قضايا الوضع النهائي ) ومنها حق العودة، فقد وصلنا إلى اللحظة التي تستدعي من الشعب الفلسطيني أن يقول كلمته بشكل واضح وصريح:
 
 أولاً: أن الشعب الفلسطيني كتلة واحدة لا تتجزأ ( حوالي تسعة ملايين فلسطيني في المعمورة ) في أماكن اللجوء والشتات وفي أراضي 1948.وان القضية الفلسطينية قضية شعب وارض لا تنفصلان.
ثانياً: لا يستطيع أحد من الشعب الفلسطيني أن يدّعي أنه مخول من كل الشعب الفلسطيني بالتنازل عن الحقوق الفلسطينية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل رأي ثلثي الشعب الفلسطيني الذي يعيش في أماكن اللجوء والشتات.
ثالثاً: إن أي مفاوض وأي سلطة وأي حكومة، وأي جيل لا يملك أن يغير أو يبدل حقوق اللاجئين في وطنهم، وإقامة الدولة الفلسطينية يجب أن لا يكون على حساب التفريط بحق العودة، إذ أن قيام الدولة شيء وحق العودة شيء آخر ومن هنا مبدأ المقايضة مرفوض.
رابعاً: إن أي موقّع على أي اتفاقية تمس بحقوق الشعب الفلسطيني في العودة إلى دياره وممتلكاته في إطار تسويات سياسية أو أمنية، مهما كانت محاولات إلباسها ثوب الإجماع الفلسطيني أو الموافقة العربية، أو الضغوطات الدولية، يعرض نفسه لحكم التاريخ.
خامساً: على المؤسسات الشعبية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والعربية أن تدرس كل خطوة تخطوها السلطة الفلسطينية دراسة وافية وعليها أن تبني موقفا واضحا وصريحا تجاهها وان تتحرك في الوقت المناسب.
سادسا: لقد افشل الشعب الفلسطيني العشرات من مشاريع التوطين وقد شهد له بذلك ألقاصي والداني، ولقد تميز الشعب الفلسطيني كجزء من الوطن العربي، بخصوصيات حفظت تماسكه الاجتماعي وترابطه الأسري.
"لقد لاحظ السيد برو هنز بأن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي في الأساس مشكلة اقتلاع جماعي/ مجتمعي.. إن تجربة اقتلاعهم حطمت الروابط التي تربطهم بعاداتهم وبيئتهم، وعائلاتهم، وأقاربهم، ومجتمعهم. إن الفلسطينيين الذين شردوا عام 1948 كانوا ينتمون إلى مجتمعات شكلت العائلة فيها مصدر الدعم. إن التأثير الذي تمارسه العائلة كنظام يعتبر جزءا رئيسيا في السياسات غير الرسمية في مجتمعات الشرق الأوسط.. إن العائلة الفلسطينية أثبتت استحالة شرخها أو كسرها وكانت الوسيلة والدافع، الذين من خلالهما استطاع الفلسطينيون التكيف مع ظروف نفيهم، وبالتالي الارتقاء بغرض بقائهم..".(11)
وأمام صمت دولي وعربي رسمي تجاه القضية الفلسطينية فإن على الشعب الفلسطيني أن يبدأ في تشكيل مؤسسات وجمعيات ومنظمات  شعبية، تمثل قطاعات الشعب العريضة، تبدأ بالعائلة، والقرية، والمدينة، والمجموعة أينما وجدت ولأي جنسية أو دين أو عرق انتمت من أجل تشكيل حلف جديد من الأصدقاء الغيورين وجموع اللاجئين يقاوم التشتيت، وتفكيك هويتهم الجماعية، وتقسيمهم إلى فئات.
وقد بدأت أعمال الحركة الشعبية المدافعة عن حق العودة تؤتي ثمارها في أوروبا بشكل خاص وأمريكا وبدأت بمحاربة الثقافات السياسية الوافدة من الخارج ومن اللوبي الصهيوني المسيطر على وسائل الإعلام في الغرب، وبدأت تظهر تطوير ثقافة مقاومة التوطين وذوبان الهوية الفلسطينية وحماية حق العودة.
 
إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية
برزت في الآونة الأخيرة دعوات من داخل الصف الفلسطيني لإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية على الأسس والثوابت التي انطلقت من خلالها ومن اجلها،  بحيث تشكل إطارا جامعا شاملا، لحشد طاقات الشعب والفصائل المختلفة على الساحة الفلسطينية والهدف من ذلك هو استرداد الحقوق أو الحفاظ عليها.
في العام 1964 وعندما انطلقت منظمة التحرير الفلسطينية وحملت اسم " منظمة التحرير "، حددت مهامها الكبيرة والتاريخية ورسمت استراتيجية تشمل الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ورعاية تلك الحقوق في أماكن اللجوء وفي الشتات، في المجالات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وغيرها من المجالات.
إذا دور منظمة التحرير يجب أن يضع في أعلى سلم اهتماماته إفشال كل مشاريع الالتفاف حول حقوق الشعب الفلسطيني، إذ تكثر هذه المشاريع الالتفافية من الغرب بالذات، وقد تجد هذه المشاريع من يتعاطى معها من داخل الصف الفلسطيني كما هو الحال مع وثيقة بيلين – أبو مازن أو وثيقة جنيف (بيلين – ياسر عبد ربه) أو وثيقة أيلون – سري نسيبة، " ومن يدقق في نوعية وهوية الشخصيات الفلسطينية التي شاركت في التوصل إلى تلك الاتفاقيات يلاحظ بأنها شخصيات مسئولة على أعلى المستويات سواء في منظمة التحرير الفلسطينية (أعضاء لجنة تنفيذية) أو السلطة الوطنية (وزراء وأعضاء مجلس تشريعي ) وليس من خارج المؤسسة الرسمية كما حال الطرف الإسرائيلي المشارك  (أحزاب ومعارضة). وهذا يعني تجاوزا لالتزامات منظمة التحرير، وخروجا على برنامج الإجماع الوطني. ورغم المطالبات الشعبية الواسعة التي طالبت قيادة المنظمة بمحاسبة هؤلاء ووقف تحركاتهم إلا أن شيئا من ذلك لم يتم. وفي حال استمرار تحرك هؤلاء الخارجين عن الإرادة الشعبية والصف الوطني فان ذلك سيشكل خطرا على الوحدة الوطنية، وعلى مصداقية منظمة التحرير ومدى تمثيلها لإرادة الشعب الفلسطيني وأهدافه " (12).
إن نجاح عمل برامج مقاومة تذويب قضية اللاجئين وحق العودة يكمن في نجاحها في الحفاظ على الوحدة الوطنية والسعي لتشكيل مرجعية فلسطينية واحدة تضم كافة الأطياف السياسية في الساحة الفلسطينية التي تضمن في النهاية وحدة القضية الفلسطينية بكل أبعادها وعدم تجزئتها، وعدم ربطها باتفاقات أو اشتراكات أو حلول تتعارض مع القرارات الدولية والموقف الفلسطيني المتفق عليه بين الجميع.
على الشعب الفلسطيني في أماكن اللجوء وفي المنافي والشتات أن يبقى على وعي كامل من أن قضية اللاجئين هي من المعالم الباقية المتبقية من الجريمة التي ارتكبت عام 1948 وما قبلها، بطرد الشعب الفلسطيني وسرقة أرضه، وإن المحتل الإسرائيلي في أمس الحاجة للتخلص من المسؤولية النفسية والمعنوية للجريمة وبالتالي انعتاقه من المسؤولية الدولية.. " إن استمرار وبقاء قضية اللاجئين يعني استمرار الإدانة الأخلاقية للصهيونية ومن يدعمها.. " (13).
في النهاية وفي مواجهة مؤامرات تصفية حقوق الشعب الفلسطيني وفي المقدمة منها حق العودة للاجئين فإن نجاح ذلك يحتاج إلى وقفة شعبية في الأساس، ودعم عربي ودولي كافيين، كل ذلك وسط تشجيع لسياسة تحسين ظروف حياة اللاجئين اليومية خاصة في لبنان لان توفير الحقوق المدنية والاجتماعية يساعد اللاجئين ويمكنهم من التصدي لكل المؤامرات التي تستهدف النيل من حقوقهم المشروعة وهذا يتطلب جهود حثيثة وتنسيق وحوار مشترك بين المؤسسات الأهلية الفلسطينية واللبنانية وكافة الفصائل والقوى والمرجعيات ومؤسسات الدولة الرسمية.
فـ " ثمة فرق كبير بين إسقاط التوطين وإحياء حق العودة. والفرق هو أن إحياء حق العودة  شرط لإسقاط التوطين في حين أن إسقاط التوطين قد لا يقود إلى حق العودة. حق العودة ينهي المشكلة في حين إسقاط التوطين يمكن له ألا يفعل ذلك، لا بل يمكن له أن يقود، في شروط محددة، إلى رمي الفلسطينيين في مناف جديدة لا تكون لبنان ولا تكون، طبعا، فلسطين " ( 14(.
لقد ظن البعض أن البعد عن الوطن والتشتيت في المنافي وأماكن اللجوء أو الحصول على جنسيات الدول المختلفة سيؤدي ذلك إلى نسيان الوطن الأصلي فلسطين، لكن شعبنا الفلسطيني يزداد يوما بعد يوم قوة وثباتا وإصرارا على دحض مقولة غولدا مائير الشهيرة بان " غدا كبارهم سيموتون وصغارهم سينسون " ولكن هذه هي الأجيال المتعاقبة تحافظ على الوديعة واليوم يحمل الجيل الثالث تراثه الفلسطيني والمفتاح وأوراق الطابو، وهو بذلك يتمسك بثوابته الوطنية ومعه الكثير من الأصدقاء من العرب والأجانب من دول الغرب.
 
الـمـراجـع
(1) رسالة من موشيه شاريت إلى د. نعوم غولدمان، الرئيس السابق " للمؤتمر اليهودي العالمي " 15 حزيران / يونيو 1948.
(2) حالة اللاجئين في العالم، النزوح قسرا برنامج عمل إنساني، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 1997 –1998، ص 143
(3) البروفيسور شفيق المصري أستاذ القانون الدولي في الجامعتين الأمريكية واللبنانية والجامعة اللبنانية - الأمريكية خلال إلقائه محاضرة في نادي جمعية خريجي الجامعة الأمريكية بدعوة من اللقاء الثقافي الفلسطيني الذي يرأسه الدكتور أنيس الصايغ يوم الثلاثاء 9/12/2003
(4) المصدر نفسه ( 3 ).
(5) د. محمود عباس : الاستقطاب الديني والعرقي في إسرائيل، المجلس الفلسطيني للعلاقات الخارجية، دراسات (1) غزة فلسطين 1998، طبعة (1)، ص 10.
(6) د. سليمان أبو ستة : المركز القومي للدراسات والتوثيق، إصدارات سياسية (1) "حق العودة " مطابع منصور، غزة  فلسطين كانون ثاني / يناير 1999 ص 21.
(7) رمضان بابا دجي : قضايا حول المرحلة الأخيرة من المفاوضات، المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، حق العودة للشعب الفلسطيني ومبادئ تطبيقه، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، لبنان، أغسطس 1996 ص. 40
(8) صلاح عبد ربه : اللاجئون، وحلم العودة إلى أرض البرتقال الحزين، تحرير محمد جرادات، مركز المعلومات البديلة، حزيران / يونيو 1996، ص 59.
(9) شريف عبد العزيز بدير : السياسة الدولية، القاهرة، مؤسسة الأهرام، العدد 138، تشرين أول /أكتوبر 1999، ص. 103
(10) صحيفة الوطن السعودية 1/1/2005.
(11) د. لورما مصرية : سيسيولوجي أسباب فشل توطين اللاجئين الفلسطينيين، تجربة لاجئ قطاع غزة، مجلة السياسة الفلسطينية، السنة الرابعة، العدد 13، مركز الدراسات والبحوث الفلسطينية، نابلس فلسطين، شتاء 1997، ص. 80
(12) رئيس اللجنة السياسية في المجلس الوطني الفلسطيني الأستاذ عبد الله حوراني ( من ورقة عمل مقدمة في المؤتمر الثاني للرابطة الدولية للبرلمانيين المدافعين عن القضية الفلسطينية، بيروت شباط / فبراير 2005.).
(13) السياسة الدولية، العدد 138، تشرين الأول /أكتوبر 1999 ص. 108
(14) الكاتب اللبناني جوزيف سماحة ( جريدة السفير ).