مقالات مختارة

مأزق لبنان مع الفلسطينيين: الصراع على نهر البارد
01/03/2012

مأزق لبنان مع الفلسطينيين: الصراع على نهر البارد
1 مارس 2012
 
الملخص التنفيذي والتوصيات
 
يصادف عام 2012 الذكرى الخامسة لواحدة من أشد معارك لبنان دموية منذ نهاية الحرب الأهلية، وهي الحرب المهلكة التي دامت ثلاثة أشهر بين مجموعة جهادية و الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين.  ومنذ ذلك الحين، وسكان المخيّم النازحين يعانون من بطء عملية إعادة بناء منازلهم، ووجود أمني كثيف يقيد حركتهم ومعيشتهم كما يشكون غياب هيئة فلسطينية شرعية تمثل مصالحهم.  اليوم، هناك قضايا أكثر أهمية وإلحاحاً، ليس أقلها التعامل مع تداعيات الصراع الداخلي الجاري في سورية على العلاقات بين الطوائف في لبنان والمخاطر المتمثلة في احتمال انزلاق البلاد من جديد إلى الحرب الأهلية.  لكن سيكون من الخطأ دفع قضية المخيّم جانباً، حيث هنا أيضاً يكمن احتمال كبير لاندلاع صراع في المستقبل.
في لبنان، يتحول الاهتمام ببساطة  من أزمة إلى أخرى.  ما يبدو على أنه علامة للاستقرار ينبغي أن يكون مصدراً للمخاوف.   إنها تجليات نظام سياسي يركز بشكل مطلق تقريباً على إدارة أعراض الصراع دون أن يعالج أسبابه بشكل فعلي.  بدلاً من ذلك، فإن الدولة، وسكان المخيّم ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ينبغي أن يعملوا معاً لتسريع عملية إعادة إعمار نهر البارد بتخصيص أكبر مساحة ممكنة من الأرض لاحتمال استعمالها للسكن؛ وتقليص وجود قوات الأمن في المخيّم؛ وإلغاء القوانين التمييزية في المخيّم؛ وإنشاء هيئة فلسطينية تمثل مصالح اللاجئين في عملية صنع القرار.  
الصراع الذي اندلع في أيار/مايو 2007 وضع القوات المسلحة اللبنانية ومجموعة أصولية إسلامية لم تكن معروفة في الماضي، هي فتح الإسلام، موجودة في نهر البارد، وجهاً لوجه.  تصاعدت عملية سطو على أحد المصارف بسرعة لتتحول إلى مواجهة عسكرية ضد المقاتلين المتشددين الذين قتلوا جنود عدة في نقطة تفتيش في محيط المخيّم.  بدعم شعبي من المواطنين الغاضبين لرؤية جثث الجنود، دخل الجيش إلى المخيّم، الذي كان محظوراً على قوات الأمن تقليدياً دخوله منذ عام 1969.  انتصر الجيش اللبناني، لكن في سياق تلك العملية دُمر جزءٌ كبير من المخيّم وهُجّر حوالي 27,000 من سكانه.
من كل هذا الدمار والخسائر، كان يفترض أن ينتج شيء جيد يتمثل في نموذج للتعايش بين الدولة والمخيّمات الفلسطينية.  يبدو أن الحكومة أخذت المهمة على محمل الجد، حيث طورت رؤية جديدة، تتمثل في ما يسمى وثيقة فيينا، لكنها لم تفِ بما هو متوقع منها حتى الآن.
لقد تأخرت عملية إعادة بناء المخيّم، التي تقودها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بتمويل من المانحين الدوليين.  تقع مسؤولية هذا الأخير على المتعهدين غير الأكفاء وعلى عملية شد حبل بين قوات الأمن، التي تريد مساحة أكبر داخل المخيّم، من جهة، ومن جهة أخرى الأونروا، التي تحتاج إلى مساحات أكبر من الأراضي لبناء المساكن.  الأحوال المعيشية في المخيّم غير مرضية.  وقد فرض الجيش اللبناني نظام تصاريح صارم يقيّد عملية الوصول إلى المخيّم سواء من قبل اللبنانيين أو الفلسطينيين غير المقيمين، مما يعزل نهر البارد اقتصادياً واجتماعياً.  نظراً لتوسيع قوى الأمن الداخلي لوجودها في المخيّم، يخشى اللاجئون أن تُطبق داخل المخيم، ولأول مرة، قوانين التوظيف والتملك التمييزية التي يواجهونها في لبنان ، مما سيؤثر بشكل حاد على معيشتهم.  وثيقة فيينا لا توكل دوراً هاماً للمجموعات الفلسطينية في إدارة شؤون اللاجئين، وهو ما يهمش السكان المحليين عندما يتعلق الأمر بالقرارات المتصلة بإدارة المخيّم وأمنه.
اللاجئون الفلسطينيون – ولبنان – يستحقون أفضل من هذا.  النموذج التقليدي لإدارة المخيّم تعتريه مشاكل عدة وهو بحاجة للإصلاح.  تكمن السلطة تقليدياً في أيدي اللجان الشعبية التي تتكون من قادة الفصائل غير المنتخبين الذين يستمدون معظم شرعيتهم من أسلحتهم.  وبما أن قوات الأمن التابعة للدولة اللبنانية كانت ممنوعة من التدخل، فإن السكان يشتكون كثيراً من الفوضى والصراع بين الفصائل في جيوب كبيرة، ومسلّحة وغير منظمة عصية على النظام والقانون اللبنانيين.  وفّر نهر البارد فرصة حقيقية لبناء نموذج مختلف حيث أن زعماء الفصائل خسروا – لأنهم لم يعودوا يمتلكون الأسلحة ولأنهم لم يعودوا يتمتعون بثقة اللاجئين الذين حمّلوهم مسؤولية الفشل في حماية المخيّم.
إلا أن النموذج الجديد الذي يتشكل لا يمثل الجواب.  لقد فشل في التصدي للمهمة الأساسية المتمثلة في عودة اللاجئين إلى حياتهم الطبيعية – على الأقل شكل من الحياة الطبيعية التي يسمح بها اللجوء.  لم تتحسن العلاقة بين السكان والدولة؛ بل، وبالنظر إلى الوجود الأمني الكاسح، فإن اللاجئين ينزعون إلى رؤية السلطات من أسوأ منظور ممكن؛ ليس على أنها تحميهم، بل على أنها تحمي البلاد منهم.  إنهم يخشون من فرض القوانين التمييزية.  الشروط الصارمة للتصاريح والمعاملة الخشنة على نقاط التفتيش في المخيّم تلحق الضرر بالعلاقات بين اللبنانيين والفلسطينيين، التي تضررت أصلاً بسبب الصراع الذي يُحمِّل العديد من اللبنانيين مسؤوليته للاجئين الفلسطينيين لاحتضانهم للمقاتلين الجهاديين والذي شعر الفلسطينيون خلاله بأن جيرانهم اللبنانيين كانوا إما ضالعين في تهجيرهم أو أنهم لم يرحبوا بوجودهم في أعقاب الأزمة.  الأكثر أهمية من ذلك، وفي غياب ممثل فعّال لهم، فإن الفلسطينيين في نهر البارد يشعرون بالتهميش أكثر من أي وقت مضى.
لازال الوقت متاحاً لتصحيح الأمور.  وإذا حصل ذلك، فإن تجربة نهر البارد – بعد كل الموت والدمار الذي عانى منهما المخيّم – يمكن أن تساعد في إقامة العلاقات بين اللاجئين الفلسطينيين من جهة والمواطنين اللبنانيين ودولتهم من جهة أخرى، على أرضية أكثر صلابة.
التوصيات
إلى البرلمان والحكومة اللبنانيين:
1. استضافة مؤتمر للمانحين لإبراز التزام الدولة بإعادة بناء نهر البارد.
2. تقديم خطة محدّثة للمخيّم تحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات المناطة بكل لاعب، بما في ذلك:
‌أ. ‌إقامة دورٍ إداري رسمي معترف به للجنة شعبية فلسطينية جديدة في نهر البارد؛
‌ب. ‌تحديد وتقليص قدرات الجيش في صناعة القرار في المخيّم؛
‌ج. ‌ضمان تمتع الأونروا بصلاحيات كافية لاتخاذ القرار في ما يتعلق بإعادة بناء المخيّم.
3. شرعنة حقوق الفلسطينيين في التوظيف، والتملك والتجمع داخل المخيّمات بما يحمي حقوقهم المدنية.
4. إعادة إحياء وتعزيز دور لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني في جميع المخيّمات، خصوصاً في نهر البارد، من أجل إعطاء الدولة وجهاً مدنياً، وتكليفها بتقديم توصية حول أدوار الحكومة وقوات الأمن.
5. زيادة عدد اللقاءات التي تجمع بين ممثلين فلسطينيين وأهالي المخيم وقاطني المناطق اللبنانية المجاورة لنهر البارد من أجل تحسين العلاقات في ما بينهم.
إلى الجيش اللبناني:
1- تخفيف القيود المفروضة على التصاريح من أجل زيادة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للمخيّم مع المناطق المحيطة به وذلك من خلال :
آ. التأكد من السلوك المنظَّم والمنضبط عناصر الجيش على نقاط التفتيش، خصوصاً في ما يتعلق بالنساء، وكبار السن والأطفال؛
ب. وضع عملية واضحة وبسيطة وموحدة للحصول على التصاريح إلى أن يصبح من الممكن إلغاء نظام التصاريح بشكل كامل.
7.         حصر وجود الجيش اللبناني في محيط المخيّم وتنسيق المسائل الأمنية مع قوى الأمن الداخلي واللجان الشعبية الفلسطينية داخل المخيّم.
8.         إعادة النظر في مخططات تشكيل فوج دائم للجيش اللبناني وقاعدة بحرية داخل المخيّم، حيث أن كلاهما يقوّضان الطبيعة المدنية للمخيّم.
إلى قوى الأمن الداخلي اللبناني:
9.         التخلي عن مخططات بناء مركز شرطة داخل المخيّم القديم، حيث أن ذلك سيعيق عملية إعادة البناء؛ وبدلاً من ذلك نقل عناصر قوى الأمن الداخلي تباعاً من قاعدتهم في المخيّم الجديد إلى المخيّم القديم.
10.     توضيح معنى الشرطة المجتمعية لسكان المخيم وحظر استعمال قاطني المخيّم كمخبرين.
إلى الفصائل الفلسطينية:
11.     تمكين اللجان الشعبية من خلال ضمان انتخاب ممثليها وفتح الانتخابات أمام جميع أفراد المجتمع من البالغين؛ إلى حين إتمام ذلك، وضع قائمة من المعايير التي يتم تعيين أعضاء اللجان الشعبية على أساسها.
12.     تأسيس هيئة تمثيلية موحدة للفلسطينيين تضم الفصائل جميعها و تكون الممثل الرسمي للفلسطينين أمام لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني.
13.     حظر استعراض الأسلحة في جميع المخيّمات، وخصوصاً في عين الحلوة؛ والتنسيق في عين الحلوة مع الجيش خارج المخيّم لمنع أعمال العنف ومعاقبتها.
إلى الأونروا:
14.     دعم وتشجيع تأسيس منظمة غير حكومية ومستقلة عن الفصائل وعن الأشخاص السياسيين الآخرين، لتعزيز فعالية المشاورات بين سكان المخيّم وإدارة الأونروا.
15.     الوفاء بالتزامات جمع الأموال لتسريع عملية إعادة البناء في نهر البارد وتحسين الظروف المعيشية في المناطق التي يعيش فيها النازحون من نهر البارد.
بيروت/بروكسل، 1 آذار/مارس 2012