دراسات

دراسة مفصلة حول التمدد العمراني العشوائي في المخيمات
26/09/2013

المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان"شاهد"

دراسة مفصلة حول التمدد العمراني العشوائي في المخيمات

مخيم البرج الشمالي نموذجاً

دراسة ميدانية، أيلول 2013

لتحميل الدراسة

مقدمة تعريفية بالدراسة:

إن ظاهرة التمدد العمراني العشوائي باتت السمة الغالبة للمخيمات الفلسطينية في لبنان. وهي تمضي بشكل متسارع من دون أن يكون هناك حلول لمعالجتها. ليس ثمّة دراسة خاصة بهذه الظاهرة. كل ما صدر من مقالات أو دراسات، تتعلق بالشأن الفلسطيني، تحدثت بشكل عرضي عن هذه الظاهرة.  وعلى الرغم من النتائج الكارثية المترتبة على هذه الظاهرة، على كافة المستويات، إلا أنه لا تزال بعيدة عن الاهتمام الإعلامي والبحثي وحتى على مستوى المعالجات.

تحاول هذه الدراسة البحث بشكل ميداني عن ظاهرة التمدد العمراني العشوائي. وبما أن المخيمات الفلسطينية تكاد تكون متشابهة من حيث الخصائص الاجتماعية والعمرانية والسياسية فقد تناولت الدراسة مخيم برج الشمالي كنموذج.

تبحث الدراسة في حركة البناء في المخيم،  ثم تتناول نمط السكن.  وتحاول الدراسة أن تشرح الإطار النظري والأسس القانونية للحق في السكن من أجل مقارنتها بالواقع. ثم تنتقل إلى البحث بعمق عن واقع التعدي على الطرقات العامة والبناء العشوائي، محاولة  البجث في تحليل الأسباب الرئيسية التي تؤدي الى ازدحام المخيم والنتائج  المترتبة على ذلك.  وتناقش الدراسة  واقع الجهات المسؤولة، ثم تنتهي بخلاصات وتوصيات. تعتمد الدراسة بشكل رئيس على البحث الميداني من خلال إجراء المقابلات مع كل الجهات المعنية. كما  تعتمد على الملاحظة والمقارنة وعلى الاستفادة من الدراسات السابقة إن وجدت. باختصار تحاول الدراسة أن تقرع ناقوس الخطر حول ظاهرة آخذة بالتمدد وهي ظاهرة التمدد العمراني العشوائي وأن تضع كل الجهات المسؤولة عند مسؤولياتها، فالمخيمات الفلسطينية هي قنبلة اجتماعية موقوتة قد تنفجر في أي لحظة ما يتحمل الجميع مسؤولياته.

 

أولا:  نبذة عن مخيم البرج الشمالي:

أ- الموقع: يقع مخيم البرج الشمالي للاجئين الفلسطينيين الى الشرق من مدينة صور، ويبعد عنها حوالي 5 كلم، وعن العاصمة اللبنانية بيروت حوالي 80 كلم، وعن الحدود الفلسطينية اللبنانية حوالي 20 كلم.

ب- التّأسيس: بعد تشريد وطرد عدد كبير من الفلسطينيين من أرضهم إبّان نكبة عام 1948، اتّجهت مجموعات كبيرة منهم الى لبنان، استقرّت في أماكن عدة فيه، فمنهم من استقرّ في منطقة عنجر، ومنهم من استقرّ في منطقة سهل مرجعيون والخيام حتى العام 1955.

وفي العام 1955 تمّ نقلهم بأمر من الحكومة اللبنانية الى منطقة صور (البص)، ومن ثمّ الى منطقة "البرج الشمالي" حيث تمّ نصب الخيام من قبل الأونروا، واعتمد كمخيم من قبل الدولة اللبنانية. وقد بلغ عدد السّكان حينها حوالي 5000 نسمة.

ت - التّسمية: استمدّ المخيم اسمه لوقوعه على الأرض المجاورة لبلدة "البرج الشمالي".

ث- حدود المخيم: يحدّ المخيم من الجهة الشرقية مزرعة "شرناي" ومنطقة بساتين زراعية، ومن جهة الجنوب بلدة البرج الشمالي، ومن جهة الشمال منطقة بساتين، ومن جهة الغرب مجمّع المعشوق للاجئين الفلسطينيين ومنطقة الرمالي. وللمخيم مدخل واحد "فقط".

 جـ - المساحة: تبلغ مساحة المخيم حوالي 13600 متر مربع ، وتعود ملكية الأرض الى القطاع الخاص اللبناني، وهي مستأجرة من قبل وكالة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) لمدة 99 عاماً.

حـ - شوارع المخيم: يوجد شارع رئيسي يقسم المخيم الى قسمين، تتفاوت المساحة بينهما، حيث يقع القسم الأصغر مساحةً شمال المخيم. يبدا الشارع الرئيسي من مدخل المخيم، يتجه شمالاً حتى طول 900 متر، ويشق الطرف الجنوبي للمخيم، ويعود حيث البداية عند مدخل المخيم وينتهي بطول 1750 متر. يتفرع من الطريق العام ثلاث طرق فرعية:

-         الفرع الأول: عند مدخل المخيم، يصل بداية المخيم بالشارع الرئيسي المتجه نحو حي "المدارس" ويبلغ طوله 300 متر.

-         الفرع الثاني: يتفرع في ساحة المخيم، وينحدر باتجاه الغرب الى حي المغاربة، طوله 400 متر، وينتهي عند آخر الحي المذكور.

-         الفرع الثالث: يقود الى حي صفورية حيث يشمل كل الحي وبشكل دائري، ويعود الى نقطة البداية، طوله 500 متر.

وبهذا يكون مجمل طول الطريق داخل المخيم وتفرعاته حوالي 2950 متر.

خـ - أحياء المخيم: يقسم المخيم الى أحياء عدة منها:

-         حي المغاربة: معظم سكانه من المغاربة، مساحته حوالي 50 دونم.

-         حي آل الجمال: يقع بجانب مدخل المخيم الرئيسي، مدخله قرب محلات حسنين التجارية.

-         الحي الغربي: ويقع في الجزء الغربي للمخيم، مساحته حوالي 65 دونم.

-         حي الساحة: يقع على مقربة من المدخل الرئيسي للمخيم في محيط الساحة، ومعظم سكانه من أهالي قرية لوبية.

-         حي الجامع: ويقع في محيط الجامع الرئيسي في المخيم، معظم سكانه من أهالي قرية الزوق التحتاني، لوبية، مساحته حوالي 25 دونماً.

-         حي صفورية: وهو حي منفصل عن التجمع الرئيسي للمخيم من جهة الشمال، يسكنه أهالي قرية صفورية.

-         حي الشواهنة: يقع على طرف المخيم من جهة الشمال الشرقي.

-         حي الهلال: يحيط بمستشفى الجليل التابع للهلال الأحمر الفلسطيني – معظم سكانه من أهالي قرية لوبية.

-         حي المؤسسة: يقع الى جانب مؤسسة جبل عامل على حدود بلدة برج الشمالي، مساحته 100 دونم، معظم سكانه من بلدة الزوق التحتاني.

-         حي المدارس: ويقع في محيط مدرستي الصرفند وجباليا، معظم سكانه من بلدة الزوق التحتاني.

-         حي الخضيراوية: يقع في وسط المخيم، غالبية سكانه من أهالي بلدة الناعمة.

-         حي الشيخ كامل: يقع وسط المخيم، معظم العائلات التي تسكنه من بلدة الناعمة.

-         حي الدحاوشة: يقع وسط المخيم، معظم سكانه من بلدة الناعمه.

-         حي أبو أنور: يقع على طرف المخيم من جهة الشرق، معظم سكانه من بلدة الزوق التحتاني.

-         حي جمعية الحولة: يقع في وسط المخيم، معظم سكانه من بلدة الناعمة.

للمخيم عدة مداخل، لكن جميعها مقفلة باستثناء المدخل الرئيسي الذي يستعمله الجيش اللبناني كنقطة للتفتيش والتدقيق في السيارات والمارة.

د - ديمغرافيا المخيم:

- عدد السكان:

يصل عدد سكان مخيم البرج الشمالي الى أكثر من 19500 لاجئ مسجل وذلك حسب الأرقام الواردة في سجلات الأونروا [1] ، وجميعهم من لاجئي عام 1948، بالاضافة الى وجود عدد من فئة غير المسجلين لدى الأونروا وفاقدي الأوراق الثبوتية.

في عام 1994 صدر قانون التجنيس عن الدولة اللبنانية الذي شمل بعض سكان المخيم من أبناء قضاء الحولة في فلسطين. بموجبه حصل حوالي 3000 لاجئ فلسطيني من المخيم على الجنسية اللبنانية.

ومنذ سنتين ومع اشتداد الأزمة السورية، نزح الآلاف من الفلسطينيين السوريين من سوريا الى لبنان، حيث استقبل مخيم البرج الشمالي حوالي 1300 عائلة، أي ما يعادل 6000  نسمة. وهذا ما ضاعف عدد السكان في المخيم ليصل الى 24000 نسمة.

- الكثافة السكانية:

رغم الظروف الإقتصادية والإجتماعية الصعبة التي تحيط باللاجئين الفلسطينيين، إلا أن آمالهم في العيش والاستمرار تبدو واضحة، حيث يبلغ معدل عدد أفراد الأسرة الواحدة داخل المخيم حوالي 5 أفراد، أما معدل الولادات في مخيم برج الشمالي يفوق كثيراً معدل الوفيات، ففي حين يبلغ عدد الولادات حوالي 30 ولادة شهرياً، يبلغ عدد الوفيات حوالي 8.5 وفيات شهرياً، أي بزيادة سكانية تبلغ حوالي 250 ولادة سنوياً.

ورغم تضاعف عدد سكان المخيم أكثر من ثلاث مرات منذ تأسيسه وحتى اليوم، فإن المساحة بقيت ثابتة لم تتغير، (13600م2)، فقد كانت كثافة السكان عند تأسيس المخيم حوالي 3676 نسمة/كلم2 (عدد السكان حينها بلغ 5000 نسمة)، أما اليوم فيبلغ عدد السكان 18000 نسمة يقيمون على نفس المساحة أي بكثافة سكانية 13235 نسمة/كلم2، وهذا ما يجعله منطقة شديدة الاكتظاظ بكل المقاييس.

 

ثانياً:  حركة البناء في المخيم:

استمر اللاجئون الفلسطينيون باستخدام الخيم بيوتاً لهم إلى أن اهترأت بفعل العوامل الطبيعية، وقد رفضت الأونروا استبدالها بأخرى جديدة على الرغم من حرص اللاجئين على بقائها صالحة. ثم بدأ السكان بالخطوات الأولى لتقوية مساكنهم، وظهر ذلك من خلال قيام بعض السكان ببناء حوالي متر من أحجار اللبن حول الخيمة لمنع دخول المياه والحشرات. وبعد أن استهلكت الخيم التي كانت تأويهم، تطوّرت العملية لتصبح بناء جدران من تلك الأحجار على أن يكون السقف قطعة قماش من الخيمة (الشادر).

قدمت الأونروا في عام 1956 ألواحاً من "الزنك" للعائلات التي استُهلكت خيمهم فقط. فاستبدل الأهالي سقف الشادر بسقف من الزنك محمول على الواح من الخشب، ولم يحصل أصحاب الخيم غير البالية على أي من ألواح الزنك، إنما استمروا بالسكن في الخيم التي استُهلكت لاحقاً. وبنى البعض الجدران والسقف من الزنك والخشب.

لقد كان من غير المسموح للفلسطينيين بناء الأسقف من الإسمنت بقرار من الدولة اللبنانية، وذلك لمنع بناء بيوت تتألف من أكثر من طابق تحت حجة ألا يتحوّل الوجود المؤقّت للمخيمات الى دائم!!، حيث كان من المحظور على اللاجئين التمدد العمراني خارج حدود المخيم، فالتكاثر السكاني يجب أن يكون في حدود المساحة التي أعطيت لهم.

في عام 1959 كان اول بيت يبنى من الحجر واللبن بسقف من الزنك، وكان منزلاً من غرفة واحدة ومطبخ. ثمّ استمرت حركة البناء بعد ذلك ضمن القواعد والقوانين التي كانت تفرضها الدولة اللبنانية.

عند دخول منظمة التحرير الفلسطينية الى المخيمات سمحت هذه المرحلة بإعادة ترميم وإعمار المنازل التي كانت محرومة من أية تعديلات على مدار سنوات عديدة، رغم سوء وضع تلك المساكن حتى أنّ بعضها لم يكن صالحاً للسكن أو الإقامة فيها.

          خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان، تعرض مخيم البرج الشمالي للقصف الشديد، مما أدى الى تدمير أجزاء كبيرة من المخيم، حيث قام اللاجئون الفلسطينيون بإعادة إعمار منازلهم، كلٌ حسب إمكانياته وما توفر لهم من مواد البناء.

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، عادت حركة البناء لتنشط في فترة التسعينيات، إلا أن السلطات اللبنانية اتخذت قراراً مفاجئاً يقضي بمنع إدخال كل ما يتعلق بمواد البناء الى مخيمات صور من دون إبداء الأسباب والدوافع، وأصبح سارياَ ابتداءً من فجر 1/1/1997. ثم عادت وسمحت بادخالها في 23/11/2004 لمدة ستة أشهر، عادت ومنعتها في 14/6/2005.

حالياً، يسمح بإدخال مواد البناء من خلال استحصال رخصة تمنح من قبل الثكنات العسكرية، هذه الرخصة لا تمنح بسهولة بل هناك اجراءات وقيود معينة تتطلب وقتاً ليس بالقليل.

 اتسمت حركة البناء والعمران منذ البدايات بالإقبال الفردي، حيث اعتمدة على الاجتهادات الشخصية والخاصة، ولم تكن ممنهجة ولا منظمة من قبل الجهات المختصة أو المسؤولة عن اللاجئين الفلسطينيين. وهذا ما أدى مع تراكم الوقت الى ازدياد البناء غير المنظم، المعتمد على التخطيط الفردي، وبالتالي الى بروز ظاهرة "البناء العشوائي" الذي هو سمة رئيسية لمخيم البرج الشمالي.

ثالثاً:  نمط السكن في مخيم البرج الشمالي:

يعتبر نمط السكن في مخيم البرج الشمالي من النمط العشوائي الذي يقوم الأهالي أنفسهم بتخطيطه وتشييده، ويقع في أدنى مراتب الإسكان، ويقوم على أساس اجتهادات شخصية في التخطيط والتصميم والبناء.

أثناء التجوال في أحياء المخيم تعترضك المباني المتراصة والمتراكمة على بعضها والتي تشبه "علب الكبريت" حيث تفتقد الى أسس ومقومات العيش، فمعظم هذه البيوت تفتقر الى التهوية الصحيحة نظراً لأن المبنى الواحد يحيط به المباني من ثلاث جهات مما يجعل مسألة دخول الشمس والتهوية الطبيعية أمراً في غاية الصعوبة.

إن التزاحم الشديد للمباني وعدم ترك فراغات أدى إلى فقدان الخصوصية وزيادة درجة التلوث السمعي والبصري. أضف الى ذلك أن معظم هذه البيوت أصبحت تشبه الكهوف والملاجئ من الداخل نظراً لعدم دخول الشمس وضوء النهار لها، كذلك الرطوبة العالية التي تعاني منها هذه البيوت.

ولمقارنة نمط البناء داخل المخيم مع أقل دول العالم تطبيقاً لمعايير البناء الهندسية الصحيحة، استطلعنا أراء المهندس المعماري"محمد حسام تكلي" الذي يؤكد أنّ مخيم البرج الشمالي يعاني معاناة صعبة ومأساة حقيقية للغاية. فمن خلال المعايير الهندسية للبناء، يحتاج كل منزل للاشعاع الشمسي، وهو الحصول على أعلى شعاع شمسي شتاءً وأقله صيفاً، وهذا له نتائج صحية وبيئية. فما بالك بمنازل لا ترى أشعة الشمس!!

ويضيف التكلي بأن هناك ما يسمى بالمحور الطولي للمبنى الذي يجب أن يكون موجهاً للشمال والجنوب، وهذا يوفر ما يقارب 30% من الطاقة الحرارية للمنزل صيفاً و 15% من الطاقة الحرارية للمنزل شتاءً. لذلك من الضرورة دخول أشعة الشمس بشكل مباشر لمدة لا تقل عن ساعة واحدة يومياً لفترة لا تقل عن 10 أشهر سنوياً، وهذا ينعدم في 70% من المنازل في المخيم. كذلك فإن الاكتظاظ السكاني وانعدام التراجع بين المنازل الذي يجب أن لا يقل عن مترين بين المنزل والآخر، يسهم في عدم وصول الاشعاع الشمسي الى المنازل.

ويضيف المهندس التكلي أن هناك معيار آخر هو "التهوئة"، فعند البناء يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أن مساحة النوافذ القابلة للفتح يجب أن لا تقل عن 5% من كل حائط. فكيف بحيطان متراصة متقاربة جداً؟؟

أضف الى ذلك، معيار حجب الضوضاء والعزل الصوتي، وذلك من خلال بناء عوازل بين الجدران، وهذا المعيار غير مأخوذ بالحسبان أثناء بناء البيوت نظراً لضعف القدرة الاقتصادية، مما يجعلك تشعر بأن الجيران يسكنون معك في نفس المنزل، وبالتالي غياب الخصوصية التي ينبغي أن تتمتع بها كل عائلة.

وفيما خصّ معيار "الحماية من الحريق" التي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند الشروع في بناء المنازل، فبعض المنازل قد تكون ملاصقة للبساتين، ما يعرض بعضها الى حرائق نتيجة اشتعال النيران في الأشجار اليابسة وامتدادها الى المنازل الملاصقة. وهذا قد يحدث للمنازل على أطراف المخيم التي هي غير مجهزة أساساً بنظام حرائق. فكيف إذا كانت بعض الأبنية تمر من خلال شُرفاتها كابلات الكهرباء الأساسية، التي تربط أعمدة الكهرباء ببعضها؟؟

أما بالنسبة لإطلالة البناء، فالمباني بحاجة أن تُطل على منظر طبيعي ما يساعد على الراحة النفسية.  وهذا ما ينعدم تماماً في المخيم.  فكل مبنى في المخيم يُطل على مبنى آخر ملاصق له، فلا مناظر طبيعية سوى كتل إسمنتية متراصة تحجب الرؤيا وتسبب الضيق والتوتر.

وفيما يتعلق بوضعية المبنى بالنسبة للشارع، يضيف المهندس التكلي بأن الأصل في البناء أن لا تكون المنازل محاذية للشارع، وأن يمتد على جانبي الشارع المحال التجارية فقط، وأن يؤخذ بعين الاعتبار في تصميم البناء عدم إطلالة غرف النوم على الشارع.

كذلك هناك معايير لتصميم المنزل من الداخل، فلو أردنا تصميم منزل ل6 أشخاص، كان حصة كل من: غرفة الجلوس 24 متر، مدخل 9 متر، مطبخ 20 متر، حمام 10 متر، غرفتي نوم 40 متر، أي أن مساحة المنزل يجب أن تكون ما يقارب ال 100 متر، وهذا ما لا يتوفر غالباً في معظم مساكن المخيم التي هي أشبه بـ "علبة الكبريت".

يختم المهندس التكلي قائلاً: إن معظم الأبنية في المخيم تفتقر إلى مقومات السكن اللائق التي نصت عليها كل العهود والمواثيق الدولية، من ضرورة تمتع الإنسان بسكن لائق يضمن له حياة لائقة.

 

رابعاً: الحق في السكن:

يتجاوز مفهوم الحق في السكن الملائم الغرفة ذات الجدران الأربعة والسقف الذي يغطيها لحماية قاطنيها، إلى مضمون أوسع وأشمل وهو مرتبط أساساً بالكائن البشري باعتباره أحد العناصر الأساسية لكرامة الإنسان. ولا يمكن بالتالي أن نفهم هذا الحق باقتصاره على توفر الجدران الأربعة للغرفة والسقف لتحل مشكلة السكن.

ورغم الأهمية الحيوية لهذه الجوانب غير أن الحق في السكن الملائم يأخذ أبعاداً أخرى مختلفة، ويتجاوز كثيراً هذه النظرة التقليدية. فالمسكن هو المكان الذي يقضي فيه الإنسان معظم وقته ومنه ينطلق للعالم وللبيئة المحيطة.

والحق في السكن هو حق عالمي وجزء من القانون الدولي لحقوق الانسان، وقد تم تفسيره وتحديد أبعاده كونه حق كل إنسان في مكان يضمن له العيش بكرامة وأمان، وبما يضمن له خصوصية وبناء علاقات عائلية واجتماعية.

فالمادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان نصّت على "أن لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته وخاصة على صعيد المأكل والملبس والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية". والمادة 17 من الإعلان نفسه نصت بأن "لكل شخص حق التملك بمفرده أو الإشتراك مع غيره، كذلك لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً". وللطفل الحق في قدر كاف من الغذاء والمأوى واللهو والخدمات الطبية.

ويُعرف السكن الملائم بأنه ذلك السكن الذي يتضمن قدراً مناسباً من الخصوصية والمساحة الكافية والأمان والإضاءة والتهوية والبنية التحتية الأساسية والحماية الكافية من كل ما يُمكن أن يهدد سلامة السكان مثل البرد والمطر والصواعق والحرارة والرياح والرطوبة والحرائق وما الى ذلك. وهذا ما لا يتوفر في معظم منازل المخيم.

 

خامساً: واقع التعدي على الطرقات العامة والبناء العشوائي:

نظراً لضيق المساحة الجغرافية التي يقع عليها مخيم البرج الشمالي، والاكتظاظ السكاني الهائل داخل المخيم، والحاجة الى مزيد من المساحات لتوسعة المنازل التي ضاقت بأهلها، أصبح التعدي أمراً واقعاً ومفروضاً في المخيم.

فخلال جولة ميدانية في أحياء المخيم، يصادفك درج ممتد في الأزقة خارج حدود المنزل الأصلية نزولاً الى مساحة مقتطعة من الطريق، وقد يفاجئك أنّ الزقاق الذي كان يمتد بعرض 2 متر أصبح لا يتعدي عرضه في أوسع نقطة له 80 سم مع إضافة درج صغير هنا أو عامود هناك لتقوية ودعم أساسات المبنى. كما أن بعض الأزقة التي كانت منذ سنوات متسعة، أصبحت ضيقة وكأنها أنفاق لا يُرى من خلالها ضوء الشمس،  بسبب أصحاب البيوت الذين اعتدوا عليها بإقامة أسقف تمتد خارج حدود منازلهم قد تصل أكثر من متر. في حين أن الساحة التي كان يلعب بها الأطفال منذ زمن بعيد، أصبحت ذكرى أو بقايا ساحة، فقد امتدت اليها يد الإنسان وحولتها الى جزء من غرفة نوم هنا، أو جزء من مطبخ هناك.

أما بالنسبة للشوارع والطرقات العامة في المخيم فحدّث ولا حرج، فبعد أن كانت شوارع المخيم متسعة، "ضاقت بها السبل"، وأصبحت معظمها أملاكاً خاصة للقاطنين بجوارها من منازل ومحلات، حيث يفاجئك درج ممتد في أجزاء من شارع المخيم الرئيسي، بجانبه درج لمنزل آخر انتهز فرصة عدم مساءلة جاره فامتد بدرجه هو أيضاً. وعلى بعد خطوات تلحظ دكاناً، وضع صاحبها براداً للمشروبات خارج حدود دكانه مستأصلاً مساحة من الشارع لبرّاده، وبجواره صاحب دكاناً آخر لم يكفه وضع البضاعة أمام دكانه بل تعدى ذلك الى الجهة الأخرى من الشارع واضعاً الجزء الأكبر من البضاعة فيها.

يفاجئك أحد اللاجئين بوضع برميلٍ أو دولابٍ بجانب منزله أو دكانه، باعتبار أن هذا الجزء من الشارع هو ملك شخصي له، وآخر بزرع عوائق حديدية أمام منزله لضمان موقف لسيارته متيقناً أن هذا المكان حق مكتسب له، وآخر ترك سيارته المهترئة مكانها لأشهر أو لسنوات في الشارع العام للحفاظ على الموقف الذي اعتبره ملكه الخاص ريثما يستملك سيارة أخرى ويضعها مكان القديمة.

كل هذه الأشكال من الاعتداءات أدّت الى بروز مشكلة حقيقية أثناء تنقل الأفراد والسيارات داخل المخيم، وخلق أجواء متوترة ومشحونة لا سيما عندما يكتظ الشارع بالسيارات، فتستهلك عملية تسيير السير أوقاتاً كثيرة مع ما يرافقه من توترات.

أثناء حديثنا مع اللاجئ الشاب "وليد موعد" الذي يعمل سائق سيارة قال: "نحن كسائقين نعتبر أن التعديات على شوارع المخيم باتت أمراً لا يطاق، وأن عملية التنقل في شوارع المخيم يلزمها ضبطاً للأعصاب نظراً لما تسببه التعديات من زحمة سير خانقة، ونعتبر أن الوقت المستهلك للقيام بجولة في شوارع المخيم أكبر بكثير من الوقت المخصص للذهاب من المخيم الى صور مثلاً، حيث تبلغ المسافة بينهما حوالي 5 كلم".

كما يرى اللاجئ الشاب "محمد حميد"، الذي يعمل سائق باص لنقل طلاب إحدى الروضات، أن الوقت المفترض لجمع الطلاب والذهاب بهم الى الروضة هو حوالي 15 دقيقة، ولكن نظراً لكثرة التعديات على الشوارع فإنّه بات يحتاج حوالي 40 دقيقة.

 

سادساً: الأسباب الرئيسية التي تؤدي الى ازدحام المخيم:

من خلال الجولة الميدانية والمقابلات التي أجريت مع شريحة من السكان، تبين أن أسباب الازدحام داخل المخيم تعود الى:

أ - قانون حظر التملك على الفلسطينيين:

-         صدر عن الدولة اللبنانية قانون حظر التملك على الفلسطينيين يحمل رقم 296/2001، الذي ينص في المادة الثانية منه أنه "لا يجوز تملك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها، أو لأي شخص إذا كان التملك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة رفض التوطين". حيث صدّق عليه مجلس النواب اللبناني في الجلسة التي عقدت في 12 شباط عام 2001. وبموجب هذا القانون منع الفلسطيني دون غيره من حق التملك.

ووفقاً للاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على أنه: "لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره". يعد هذا النص تمييزاً ضد الفلسطينيين حيث نتج عنه مشاكل كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:

-         مشكلة الإرث: فالذين تملكوا قبل تعديل القانون لا يستطيعون نقل ممتلكاتهم العقارية لورثتهم الفلسطينيين، كذلك الأم اللبنانية المتزوجة من فلسطيني، لا تستطيع توريث ممتلكاتها العقارية لأولادها الفلسطينيين. ويشمل القانون حتى أولئك الذين اشتروا عقارات قبل صدور القانون ولم يقوموا بتسجيله آنذاك، لأن السلطات اللبنانية رفضت ذلك.

ب - المساحة السكنية:

-         تضاعف عدد السكان في المخيم بشكل كبير، بقيت المساحة المخصصة للمخيم عام 1955م.

-         عدم القدرة على التوسع الأفقي، واعتماد السكان على البناء العامودي دون مراعاة الأسس والمعايير الهندسية والفنية.

-         انتشار البناء العشوائي.

جـ - غياب المرجعيات المختصة، ( الأمنية والتنظيمية والاجتماعية):

·        غياب السلطة الرادعة في المخيم أدى الى انتشار البناء والتعديات.

·        غياب القانون يلغي فرضية المساءلة والمحاسبة لدى الأشخاص المعتدين على الأملاك العامة.

·        اقتصار دور اللجان الشعبية في المخيم على حل بعض المشاكل التي قد تنشأ بين الأهالي نتيجة الخلاف على الحدود وغيرها وليس في تنظيم المنازل والأبنية.

·        غياب التخصص لدى أعضاء اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية في مجال التخطيط والتنظيم المدني.

·        التنظيم المدني التابع للدولة اللبنانية لا يدخل الى المخيم لاعتبارات عديدة منها الاعتبار القانوني كون أن الأرض غير مملوكة لكي تعمل على تنظيمها.

·        الدولة اللبنانية ليس لديها سلطة فعلية في المخيمات بموجب اتفاقية القاهرة التي نقلت السلطة الى منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تكن تعنى بالتنظيم المدني أو التخطيط العمراني.

·        الدولة اللبنانية تنظر للمخيمات من المنظار الأمني فقط وليس من المنظار الانساني، فلا تأخذ بعين الاعتبار ضيق الرقعة الجغرافية والحاجة الماسة الى توسعة المخيم.

 هـ - هناك أسباب أخرى لازدحام المخيم وهي:

1- رغبة الأهالي في سكن أبنائهم وأقاربهم بجوارهم.

2- زيادة الطلب لاستئجار المنازل داخل المخيم خاصة بعد الأزمة السورية.

3- ارتفاع الأسعار والأجور على الأراضي والشقق السكنية خارج المخيم.

4- تدني آليات التصميم والبناء المستخدمة في ميدان البناء.

5- تغليب المصلحة الذاتية على المصلحة العامة.

6- التهاون مع منتهكي القوانين ومغتصبي الأراضي من قبل الجهات المعنية.

7- الحاجة الى توسعة المكان.

 

سابعاً:  نتائج ومخاطر البناء العشوائي والتعدي على الطرقات العامة:

ينتج عن البناء العشوائي والتعدي على الطرقات في مخيم البرج الشمالي، العديد من المشاكل والمخاطر التي يجب أن تؤحذ بعين الاعتبار، منها:

أ- المخاطر الاجتماعية:

- حدوث مشاكل اجتماعية بين الجيران نتيجة اقتراب المنازل. فغالباً ما تسبب عملية تداخل المباني خلافات شخصية بين الجيران وأحياناً بين أفراد العائلة الواحدة. وهذا ما يؤكده الناشط الاجتماعي الأستاذ "ابراهيم ابراهيم أبو الرائد" الذي غالباً ما يتدخل لحل مثل هذه النزاعات أو فض هذه الاحتكاكات.

- فقدان الخصوصية الاجتماعية نتيجة عدم ترك فراغات بين الأبنية. "كامل لمحمد" الذي يسكن في حي مكتظ يقول: أشعر بعدم الراحة نتيجة الأصوات المتداخلة بين المنازل، وأشعر وكأنها في منزلي، وكذلك فقدان الخصوصية نظراً لتلاصق الأبنية، وهذا ما يؤثر على تحصيل ابني الدراسي.

هذا التلوث السمعي والضوضاء نتيجة تراكم الأبنية على بعضها، يدفع أصحاب المنزل إلى غلق النوافذ تجنباً للأصوات المزعجة والقادمة عبر النوافذ، وبالتالي حرمان ساكني المنزل من كمية الهواء الداخلة اليه، والتي هي أصلاً غير كافية، وهذا ما يعاني منه اللاجئ "أشرف ندى الحسين".

- خلق جو غير مناسب للدراسة، وهذا ما يؤدي الى تراجع التحصيل الدراسي لدى الطلاب، ففي مقابلة مع الأستاذ "علي ادريس"، أوضح أن هناك علاقة وثيقة بين تحصيل الطلاب الدراسي وبين وضع السكن، فكلما كان السكن مريحاً، كان التحصيل العلمي للطلاب ايجابياً، أما إذا كان المسكن يفتقد لأدنى مقومات الحياة، سيؤثر سلباً على تحصيل الطلاب، كما أعطى الأستاذ "إدريس" مثلاً عن إحدى الطالبات المجتهدات في مدرسته، والتي تأخر تحصيلها الدراسي، وبعد المتابعة والسؤال عنها تبين أن تراجعها هو نتيجة عدم وجود بيئة ملائمة للدراسة داخل المنزل.

نتائج الاكتظاظ السكاني:

-         مشاكل داخل الأسرة الواحدة نتيجة ضيق المكان.

-         تولد الاحتكاكات الاجتماعية.

-         التسرب المدرسي نتيجة عدم وجود بيئة تراعي الأسس التربوية.

-         التعقيدات والصعوبات التي تواجه الأهالي أثناء نقل مواد البناء والأثاث، فضلاً عن المعوقات التي تواجههم عند حدوث حالة وفاة داخل الأحياء.

خلال لقائنا مع المسعف "محمد سميح"، يقول بأن هناك صعوبة كبيرة في إسعاف المرضى، إذ لا تستطيع سيارة الإسعاف الوصول الى بعض أحياء المخيم، وهذا يؤثر على سلامة المرضى، حيث بإمكان سيارة الإسعاف الوصول الى نقطة محددة فقط، بعدها يعمد الأهالي الى نقل المريض مسافات طويلة بين الأزقة للوصول الى سيارة الأسعاف، وهذا يتطلب وقتاً إضافياً قد يؤثر على حياة المريض.

ب - المخاطر النفسية:

- قتل الإبداع والابتكار لدى الأفراد في المخيم.

-         الاكتظاظ وعدم توفر الأبنية يؤدي الى خلق جو متوتر. فعندما لا يتوفر لشريحة الشباب المقبل على الزواج مساكن لتكوين أسرة، فإنّ ذلك يؤدي الى تسلل اليأس إلى قلوبهم، وبالتالي قد يدفعهم إلى افتعال المشاكل التي تؤثر سلباً على المجتمع بأسره.

-         لا يوجد المساحات الخضراء وساحات اللعب (حديقة عامة، ملعب) وهذا قد يؤدي الى عدم الارتياح وبالتالي الى حدوث أعراض ومشاكل نفسية وتوترات.

-         الاكتظاظ وعدم توفر الأبنية يؤدي إلى خلق جو متوتر له مضاعفات وتأثيرات على سلوكيات الأشخاص، وبالتالي حدوث احتكاكات قد يكون لها نتائج وخيمة.

-         يؤثر النسيج العمراني على أخلاقيات الأفراد وأحاسيسهم وطبائعهم. وقد أثبت الباحثون أن الفراغات العمرانية وتشكيلاتها وأبعادها وأسلوب توظيفها يؤثر بشكل واضح على نشاط وسلوك السكان، وكذلك في العلاقات الاجتماعية بينهم.

-         نتيجة لتفشي ظاهرة الفقر في المخيم وعدم القدرة على مجاراة العالم الخارجي في الامكانات ومستوى المعيشة يتولد لدى بعض سكان المخيم شعوراً بالعدوانية، وبالتالي خلق شخصية غير سوية لديها إحساس باتهام هذا العالم الخارجي بأنه سبب لما هم فيه. كذلك يتولد لديهم الإحساس بالغربة الاجتماعية الذي يتحول بعد ذلك الى الاستعداد الكامل لاستخدام العنف ضد المجتمع. والميل الشديد نحو الانحراف نتيجة الظروف الحياتية وعدم وجود توعية اجتماعية.

جـ - المخاطر التي تتعلق بالأمن والأمان:

-         نتيجة لتراكم الأبنية والتصاقها قد تتولد الاحتكاكات الاجتماعية، وبالتالي قد تحدث عمليات اعتداء على بعض السكان وانتهاك خصوصياتهم.

-         عدم توفر نظام الحماية من الحرائق، لأنها لم تؤخذ بالحسبان عند بناء الأبنية. فعند حدوث حريق من الطبيعي أن تكون المنازل المجاورة معرضة لخطر الحريق نظراً للتلاصق الشديد بين المنازل.

-         مخاطر أسلاك الكهرباء، والتي يمر بعضها من خلال شرفات المنازل، وهذا أدّى الى حدوث وفيات عديدة خلال السنوات الأخيرة. فمثلاً، يقع "منزل عماد دواس" بالقرب من خط التوتر المتوسط.

-         خطر تعرض نسبة كبيرة من مباني المخيم للانهيار فوق رؤوس أصحابها، وذلك لأن أعمدة المنازل وأساساتها غير صالحة ولا تتحمل ضغط المبنى.

-         انتشار ظاهرة عمالة الأطفال نتيجة تدني المستوى الدراسي لهم والذي له علاقة بطبيعة المسكن وملاءمته للسكن.

ففي مقابلة مع المتعهد "رشيد الميعاري" قال: إن معظم المنازل داخل المخيم لا تصلح للبناء فوقها، ومعظم الأهالي يسألون قبل الشروع في البناء عن إمكانية تحمل المبنى لطوابق فوقه، وأحياناً كثيرة لا يصلح المبنى لبناء أي طابق فوقه، ولكن الحاجة ثم الحاجة وعدم وجود مكان آخر للبناء تدفعهم لبناء عدة طوابق رغم المخاطر المترتبة عن البناء.

ويضيف الميعاري أن البناء العامودي في المخيم قد يؤدي الى كارثة إنسانية لأن الأبنية لم تُبنَ لاستيعاب عدد الطوابق، نتيجة الاقتصاد في مواد البناء نظراً للفقر الشديد والحاجة الى مسكن. وبالتالي فإن حدوث أي هزة أرضية قد يتعرض لها المخيم ، ستؤدي الى انهيار المباني فوق رؤوس أصحابها، كأحجار الدومينو.

وفي لقاء آخر مع الناشط الاجتماعي "سامي حمود" أشار إلى أن الاكتظاظ السكاني يؤدي إلى انتشار السرقات والعنف المتبادل، وبالتالي زيادة معدلات العنف.

د- الأعباء والمشاكل الاقتصادية:

- زيادة ثمن تكلفة البناء نتيجة استئجار يد عاملة لنقل مواد البناء عند آخر نقطة تصلها الشاحنة لوضعها بالقرب من المنزل. فنتيجة التعدي على الطرقات، أصبحت شاحنات نقل مواد البناء تصل الى نقاط معينة تفرغ حمولتها فيها، ومن ثم يتم نقلها بين الأزقة الى البيت المنوي اعماره، وهذا يفرض تكاليف وأعباء مادية ومجهودات إضافية، هذا ما يؤكده السيد "حسام تكلي" الذي يعمل كمقاول ومتعهد بناء.

- الضغط على مرافق الصرف الصحي في المخيم وشبكات المياه وزيادة الاستهلاك اليومي للمياه والكهرباء يؤدي الى تقليل عمر الشبكات المفترض، وزيادة في المصروفات التي تدفع لصيانة الشبكات. هذا ما لفت الانتباه إليه مدير خدمات المخيم الأستاذ "رائف أحمد"، حيث أكد أن زيادة عدد السكان يفرض استهلاكاً لشبكات المياه والصرف الصحي وبالتالي تقليل العمر الافتراضي للشبكات.

- التأثير السلبي على مدخول السائقين وأصحاب السيارات الخاصة، نتيجة استهلاك وقت أكبر عند التنقل في شوارع المخيم، وهذا الوقت يؤدي الى حرق كمية من الوقود مما يقلل من فرص التوفير أو الربح.

هـ - المخاطر الصحية:   

انتشار أمراض الحساسية والربو والروماتيزم، حيث تشير معظم الدراسات الصحية أن هناك علاقة مباشرة بين مكان السكن وصحة الانسان، فحجم الغرفة له علاقة بنسبة الهواء النظيف التي يحتاجها الانسان، وعدم توفر القسط الكافي من الهواء النظيف يؤدي الى خلل في بنية الإنسان الصحية لا سيما الأطفال.

-         بسبب عدم دخول أشعة الشمس بالقدر الكافي الى البيوت، فإن ذلك يؤدي إلى أمراض جلدية، ونقص حاد بالفيتامينات التي توفرها أشعة الشمس، وبالتالي مشاكل في العظام لا سيما مشكلة ترقق العظام.

-         يؤثر السكن غير اللائق على صحة السكان القاطنين فيه، وقد يسبب أوجاعاً في الرأس وطنينأً أو التهاباً في الأذن الوسطى، وقد يؤدي ذلك الى قصور في عضلات القلب نتيجة الحساسية، وكذلك يؤثر على نمو الطفل مما يؤثر على دماغه فيؤدي الى نقص في الدم لديهم.

ففي مقابلة مع الدكتور "علي صابر" أكد أن نسبة كبيرة من سكان المخيم تعاني أمراضاً جلدية وحساسية ونقصاً في الفيتامين "د"، بسبب طبيعة البناء داخل المخيم، والتي تفتقر الى أدنى مقومات السكن، والتي تؤثر على الأمن الصحي للسكان. ويشير الدكتور "صابر" إلى أن معظم البيوت لا يتوفر لها النسبة الكافية من أشعة الشمس، أو الهواء النظيف الذي يحتاجه الانسان.

 

ثامناً:  الجهات المسؤولة:

أ- الأونروا:

عند استطلاع رأي شريحة من السكان في المخيم حول الجهة المسؤولة عن تفاقم أزمة السكن، وضع بعضهم اللوم على الأونروا كونها المعني الأساسي باللاجئين الفلسطينيين والشاهد الحي على نكبتهم.

وفي لقاء مع مدير خدمات مخيم البرج الشمالي الأستاذ "رائف أحمد، أبو ايهاب" قال: "في مرحلة وجود الدولة اللبنانية، كان مدير المخيم وبسلطة الدولة اللبنانية يمنع التعديات على المساحات الشاغرة. فقد كانت تمارس الأونروا دوراً من خلال مدير المخيم، وذلك بمنع التعديات على الشوارع والأزقة والساحات. وكان هناك انضباط وتجاوب في هذا الشّأن". ولكن مع خروج الدولة اللبنانية وضعف دور السلطات الفلسطينية داخل المخيمات، وزيادة عدد السكان والحاجة لبناء مساكن جديدة، أصبح هناك توسع أفقي واستغلال كل المساحات المجاورة للمنازل التي أصبحت تضيق وبالتالي أدى الى اختفاء تلك المساحات. ونتيجة عدم توفر المساحات الأفقية، أصبح البناء عامودياً، علماً أن المنازل في المخيم هي عبارة عن "مآوي" وليست منازل بالمعنى الصحيح للكلمة. وبالتالي، فعملية البناء العامودي أصبحت تتم على "منزل" غير مطابق للمواصفات الفنية. وهذا ما سيؤدي إلى كارثة إنسانية خلال سنوات.

أما بالنسبة لدور الأونروا، اعترف الأستاذ "أحمد" أنه لا يوجد لديها استراتيجة للتعامل مع هذه المشكلة المتفاقمة، والتي تهدد سكان مخيم البرج الشمالي.

وأوصى الأستاذ "أحمد" ببحث هذا الأمر على أعلى المستويات: منظمة التحرير ورئاسة السلطة الفلسطينية، ورئاسة الأونروا، من أجل الإسراع في إيجاد الحلول واتخاذ الإجراءات المناسبة لهذه الأزمة، وإلا فإننا سنكون أمام كارثة إنسانية واجتماعية لا أحد يدرك عواقبها!

ب- منظمة التحرير الفلسطينية واللجان الشعبية:

أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من قمة الملوك والرؤساء العرب في عام 1964، وأدّت دور الممثل السياسي والقائد الاجتماعي للاجئين. وكونها "الممثل للشعب الفلسطيني" فقد حمّلتها شريحة من الأهالي اللوم والمسؤولية عن تفاقم أزمة السكن العشوائي والتمادي في التعديات على الأملاك العامة.

فمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن خلال اللجان الشعبية التي أقامتها في المخيمات للقيام بمهمة الحفاظ على الأمن وإدارة الحياة اليومية داخل المخيمات مع الجهات المختصة كان بإمكانها القيام بالدور المنوط بها وعدم وصول الأمور الى ما آلت اليه.

وفي لقاء مع مسؤول اللجنة الشعبية في المخيم "جلال شهاب أبو باسل"، أكد أن منظمة التحرير الفلسطينية طلبت من الدولة اللبنانية توسيع رقعة الأرض القائم عليها المخيم، إلا أن الدولة اللبنانية رفضت بحجة أن هذه هي المساحة المتفق عليها، وأن لدى الأطراف اللبنانيين هاجساً من مسألة التوطين، وأن تعاطي الدولة في هذا الخصوص ليس تعاطياً ايجابياً ولا انسانياً.

وأضاف: "أن الجميع يتحمل مسؤولية الاعتداء على الشوارع والأزقة بسبب الحاجة. وأن اللجنة الشعبية تعمل جاهدة للتخفيف من هذه الاعتداءات، أحياناً تنجح وكثيراً ما تفشل". وأكمل: "أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن مخيم البرج الشمالي سيكون أمام كارثة إنسانية، لأن الأبنية في المخيم لم تؤهل لاستيعاب عدد الطوابق، وأن نسبة كبيرة منها آيلة للسقوط في أي لحظة، وهذا ما يشكّل خطراً كبيراً على السكان داخل المخيم، ويُنذر بحدوث كارثة إنسانية وشيكة، ففي مخيم البرج الشمالي اكتظاظ سكاني هائل قابل للإنفجار في أي لحظة".

واعتبر أن الذي يتحمل المسؤولية أساساً هي الأونروا، على اعتبار أنها الشاهد الحي على نكبة الشعب الفلسطيني، وهي مسؤولة عن إغاثة الشعب الفلسطيني وتشغيل اللاجئين، وهذا أمر إغاثي، وأن على الأونروا التعاطي بايجابية، ويجب عليها الجلوس مع الحكومة اللبنانية للبحث في هذه المسألة، والتوصل الى إيجاد الحلول المناسبة. وتمنى "شهاب" من الحكومة اللبنانية والأطراف السياسية الإتفاق على تحسين ظروف اللاجئين الفلسطينيين، ومنها حق التملك وتوسيع رقعة المخيمات ومنها مخيم البرج الشمالي.

وفي زيارة الى السيد "عدنان قاسم - أبو نبيل بحر" مسؤول اللجنة الأهلية في مخيم البرج الشمالي حول هذا الموضوع، أكد على ضرورة تكاتف جميع الفعاليات ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل التحرك وطرق الأبواب، لأن الكارثة الإنسانية باتت على الأبواب، والمخيم أصبح قنبلة سكانية موقوتة، يجب العمل على نزع فتيلها، وذلك من خلال إيجاد الحلول المناسبة لأزمة السكن.

 جـ - مؤسسات المجتمع المدني:

إن ما يشهده مخيم برج الشمالي والعديد من المخيمات من ظاهرة البناء العشوائي والتعدي على الطرقات وضيق المساحة الجغرافية وعدم إمكانية البناء العامودي وانسداد الأفق في وجه الأجيال القادمة لجهة تأمين المسكن، دفع العديد من جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني الى التحرك من خلال تنظيم الوقفات والحملات المطلبية، لتحسين الواقع المعيشي للاجئين وإعطائهم حقوقهم في السكن والعيش بكرامة.

وفي مقابلة مع الأستاذ "حسن بهاني" مسؤول حماية الطفل ومدير قسم التدريب والتطوير في جمعية أرض البشر، اعتبر أن البناء العشوائي هو نتيجة لتراكم الأعباء والمشاكل الموجودة في المخيم ومنها ازدياد عدد السكان ضمن بقعة جغرافية ضيقة مع عدم وجود الفرص للتمدد.

وتابع بالقول "نحن الآن في دائرة الانفجار السكاني، وأن الحلول لهذه الظاهرة أكبر من إمكانات وقدرات المجتمع المدني، وأنّ على الجهات القيّمة على المجتمع متمثلةً بالأنروا ومنظمة التحرير الإسراع في إيجاد حلول لمعالجة هذه الظاهرة. وتابع بهاني "بأن الجهات المسؤولة هي في شبه غياب لعملها، وأن مؤسسات المجتمع المدني تقوم بدور لتكملة دور هذه الجهات لسد الثغرات الناتجة عن تقصيرها".

وأضاف "إن مؤسسات المجتمع المدني تحاول التخفيف من انتشار المشاكل، لكنها لا تستطيع وضع حد لها، لأن احتياجات الشعب الفلسطيني تفوق امكانات وتدخلات الأنروا. فأنواع التدخل لكل الأطراف العاملة في المجتمع الفلسطيني من مؤسسات محلية أو مدنية أو هيئات إغاثة تحول دون الإيفاء بالغرض المطلوب.

 

تاسعاً وأخيراً: خلاصات وتوصيات:

إن البناء العشوائي في المخيمات هو نتاج سياسة تراكمية طويلة، أدّت إلى إحداث تشوهات كبيرة في بينة المخيمات العمرانية، كما تركت تشوهات كبيرة أيضاً في بنية المجتمع ككل. إن سياسيات الحكومات اللبنانية المتعاقبة تجاه اللاجئين، والترهل السياسي الفلسطيني وضعف المرجعية السياسية والاجتماعية والأمنية، حتى على مستوى الأحياء، وارتفاع معدلات البطالة والفقر والأمية والتسرب المدرسي، أدّى إلى بروز ظاهرة التعدي على الطرقات واعتبار ذلك حقاً مكتسباً، بغض النظر عن النتائج المترتبة على ذلك من تضييق للطرقات العامة والمشاكل الاجتماعية الناجمة وسوى ذلك. كل هذه الأمور تستدعي وقفة حقيقة وجادة وإطلاق صرخة مدوية لمن يعنيهم الأمر.

 

أ- توصية إلى الحكومة اللبنانية:

1.    المطالبة بإلغاء حظر التملك عن الفلسطينيين، لما له من آثار كارثية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين.

2.    الموافقة على توسيع مساحة المخيمات بالتعاون مع وكالة الأونروا.

3.    إمكانية تقديم مساحات من قبل البلديات المجاورة، تستخدم كمواقف للسيارات التي تقف في الطرقات وتعيق حركة الأهالي والسيارات.

ب- توصية إلى وكالة الأونروا:

1.    العمل بشكل جاد وحقيقي لتوسيع مساحة المخيمات، كي تتناسب مع الزيادة السكانية المطردة.

2.    تشكيل لجنة هندسية للكشف على المنازل المهددة بالانهيار، والعمل السريع على إعادة إعمارها  أو ترميمها.

3.    القيام بصيانة الشوارع الرئيسية بشكل دوري لتسهيل الحركة من وإلى المخيم.

4.    السعي لدى شركة كهرباء لبنان للقيام بإعادة تأهيل شبكة كهرباء المخيم، بسبب التمديد العشوائي للكوابل والأسلاك حماية للأهالي من الخطر.

ج- توصية إلى منظمة التحرير الفلسطينية – وفصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني:

1.    بناء منظومة من الحكم المحلي الفاعل والناجح يكون عماده اللجان الشعبية بعد إعادة بنائها على أسس ديمقراطية وتخصصية.

2.    تشكيل لجان أمنية في المخيمات وفق أسس مهنية صحيحة (رؤية مجتمعية وطنية وسياسية وأمنية) تشارك فيها جميع الفصائل، وتكون ذات مهام وصلاحية واضحة ومحددة.

3.    تحمل اللجان الأمنية مهامها بإزالة جميع التعديات على الطرقات والشوارع العامة، ووضع الضوابط الصارمة وتطبيقها تجاه المخلين.

4.    منع أصحاب المحال التجارية من عرض بضائعهم خارج حرم محالهم، وعدم وضع العوائق أمام هذه المحال.

د- توصية إلى منظمات المجتمع المدني:

1.    القيام بحملات توعية متواصلة لسكان المخيم تعزز مفهوم الحماية والحفاظ واحترام المرافق العامة، بما فيها الطرقات، والتنبيه من مخاطر البناء العشوائي.

2.     تطوير وتمتين العلاقة مع البلديات والتنسيق الدائم معها في جميع القضايا المطلبية التي تخص أهالي المخيم كون بعض المخيمات يسكنها لبنانيون.

3.    تنسيق وتوحيد الجهود بين مؤسسات المجتمع الأهلي قاطبة، لتحديد أولويات حاجات الأهالي والسعي الدؤوب لتنفيذها.

4.    تنفيذ أنشطة وبرامج مجتمعية متنوعة تهدف إلى تعزيز الإنتماء للمجتمع والحفاظ عليه مثل حملات النظافة العامة، تنظيم شبكات الكهرباء، إضاءة الطرقات العامة، طلاء جدران الاماكن العامة، الرسم وكتابة العبارات الهادفة...

 


فهرس المقابلات:

الرقم

الاسم

الصفة

تاريخ اللقاء

1

علي إدريس

استاذ مدرسة

16أب

2

محمد حميد

سائق باص روضة

21 اب

3

كامل لمحمد

احد سكان حي مكتظ

21 اب

4

وليد موعد

سائق سيارة اجرة

21 اب

5

محمد تكلي

مهندس معماري

22 اب

6

حسام تكلي

متعهد بناء

22 اب

7

رشيد ميعاري

متعهد بناء وناشط اجتماعي

22 اب

8

سامي حمود

ناشط اجتماعي

23 اب

9

اشرف ندى

احد سكان حي مكتظ

23 اب

10

ابراهيم ابراهيم

استاذ وناشط اجتماعي

23 اب

11

جلال شهاب

مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم البرج الشمالي

24 اب

12

علي صابر

دكتور صحة

24 اب

13

رائف احمد

مدير مكتب الأونروا في مخيم البرج الشمالي

25 اب

14

عدنان قاسم

مسؤول اللجنة الأهلية في مخيم البرج الشمالي

26 اب

15

حسن بهاني

جمعية أرض البشر

مسؤول حماية الطفل ومدير قسم التدريب والتطوير

16 ايلول

16

محمد سميح

سائق اسعاف

5 ايلول

 

26/09/2013

المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد"