تقارير وأبحاث

العمل الإعلامي الفلسطيني بين واجبات المهنة واعتداءات الاحتلال
08/03/2016

العمل الإعلامي الفلسطيني

بين واجبات المهنة واعتداءات الاحتلال

مقدمة:

     شهدت الحریات الإعلامیة في فلسطین المحتلة خلال العام 2015 المزید من التدهور، وحمل هذا  العام المزید من المؤشرات السلبیة التي لا تبشر بأي تحسن على حال حریة الصحافة والصحافیین في فلسطین خلال الفترة القریبة المقبلة، ونرى إستمرار الاحتلال في اعتداءاته على الصحفيين في 2016 بحيث بلغ عدد الاعتداءات على الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الأول من عام 2016  من قبل الاحتلال الإسرائيلي47 اعتداء.

     تعتبر جریمة اعتقال الصحفي محمد القيق والذي أضرب عن الطعام لمدة 93 يوماً رفضاً لقرار اعتقاله شاهداً على جرائم الاحتلال المستمره من عام 2015 حتى إعداد هذا التقرير، ونُقل القيق في 30 كانون أول من عام 2015 إلى مستشفى العفولة بسبب تدهور وضعه الصحي.

     يتعرض الصحفيون أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية إلى مخاطر حقيقية قد تتخطى حد إلحاق الأذى بالجسد أو الحرية وإنما قد تصل حد التعرض إلى القتل العمد من خلال عدة طرق ولعل التغذية القسرية هي وسيلة حديثة يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي ضد الصحفيين والمعتقليين الفلسطينيين.

     ولأن الصحفي هو الشاهد على مجريات النزاع أو بالأحرى هو الشاهد والقاضي والناشر بالتزام أطراف النزاع بمبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني. ولأن المادة 79 من البروتوكول الأول لم تنشأ وضعاً جديداً للصحفيين بل أحالت حكم الصحفي إلى وضع المدني بما يتمتع به من حصانات وما يترتب عليه من التزامات كان الصحفي موضع مسؤولية مزدوجة شاهداً محايداً بمهنية تقنية وإعلامية ومدني قد يتحول إلى ضحية انتهاكات جسيمة أثناء النزاعات المسلحة .

وفي التقرير السنوي الذي يصدره مركز غزة لحرية الإعلام أشار إلى أن عام 2015 هو الأسوأ لحرية الإعلام في فلسطين، وحمل الكثير من الانتهاكات بحقهم. وأوضح المركز خلال المؤتمر الإعلامي الرابع لحرية الإعلام "أن الربع الأخير من عام 2015، والذي تزامن مع تصاعد للانتهاكات بشكل كبير ضد الصحفيين في الضفة والقدس والداخل المحتل". فما هو واقع الصحفيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وهل يشكل حصار غزة عائقاً أمام حرية الصحافة، وهل هناك حماية للصحفيين ومهنتهم تقيهم بطش الاحتلال؟. وما هي أبرز التوصيات التي تقدمها شاهد حول الواقع والأثار التي سيتم عرضها ؟.

واقع الصحفيين الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي :

تخوض سلطات الاحتلال حربًا مستمرة على وسائل الإعلام الحديثة، بما يكشف عن الوجه الحقيقي لانتهاكات الاحتلال بحق الصحافة؛ ما جعلها تتبوأ المركز 101 عالمياًمن مؤسسة "صحفيون بلا حدود"بسبب  تقييدها للإعلام تحت مسمى "سمح بالنشر" من الرقابة العسكرية [1] .

 

اتبعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الترهيب من خلال الاعتقال والاحتجاز والقبض والاختطاف، لارهاب الإعلاميين الفلسطينيين فالعمل الصحفي أصبح مهدداً، وهذه الأجواء تمس وبشكل مباشر حرية العمل الصحفي، وقدرة الصحفيين على التعامل مع هذا الواقع والتصدي له، وبالتالي كان هناك تأثير سلبي كبير على الأداء الصحفي، ومن الجدير بالذكر أنه منذ أن بدأ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية تعرضت الصحافة الفلسطينية إلى الرقابة الإسرائيلية الصارمة، وتعرضت الصحف للإغلاق وتعرض الصحفيين إلى الإعتقال والترحيل.

 

     يشير اتّحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية- فلسطين في تقريره السنوي إلى أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب 574 انتهاكاً خلال عام 2015 من بينهم 62 صحافية، كما استشهد اثنان من الصحفيين وأصيب أكثر من 190 آخرين. فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعمّدت خلال عام 2015 استخدام القوة المباشرة والمفرطة لقمع حرية العمل الإعلامي في الأراضي الفلسطينية واستهداف الصحافيين ووسائل الاعلام من أجل إقصائهم وإبعادهم عن الميدان ومنع عمليات التغطية وخاصة تغطية أحداث القدس، ما جعل الصحافيين الميدانيين والمصورين في مقدمتهم، يدفعون أثماناً باهظة للتمكن من الاستمرار في القيام بأعمالهم المهنية ونقل الحقيقة [2] .

     كان شهر تشرين أول/أكتوبر من عام 2015 الأعنف، حيث تجسدت الانتهاكات باستهداف الصحفيين وتعرضهم للإصابة المباشرة بالرصاص الحي وقنابل الغاز السام وغاز الفلفل، والاعتداء عليهم بالضرب والتهديد وغيره من وسائل العنف أو الإهانة والمعاملة الحاطة بالكرامة والإنسانية، واعتقالهم واحتجازهم وتمديد اعتقالهم، ومداهمة منازلهم ومصادرة أدواتهم الصحفية، ومنعهم من تصوير وتغطية الفعاليات والمسيرات من جانب واستخدامهم كدروع بشرية، وحرمانهم من السفر من جانب آخر، وإبعادهم عن مدينة القدس المحتلة، وإغلاق مؤسسات إعلامية وتهديد أخريات. ورصد اتحاد الاذاعات والتلفزيونات الإسلامية - فلسطين مجموع الانتهاكات الإسرائيلية على مدار عام 2015:

الانتهاكات الإسرائيلية على مدار عام   2015 بحق الصحفيين

1.

يناير

26

2.

فبراير

27

3.

مارس

28

4.

ابريل

28

5

مايو

31

6

يونيو

23

7

يوليو

18

8

أغسطس

65

9

سبتمبر

41

10

أكتوبر

159

11

نوفمبر

66

12

ديسمبر

62

 

المجموع :

574

 

 

     بالمقارنة مع العام 2014 والذي شهد جرائم دامية وانتهاكات غير مسبوقة بحق الصحفيين الفلسطينيين. فإن واقع العمل الإعلامي للصحفيين الفلسطينيين بالأراضي المحتلة يختلف عن أي مكان آخر في العالم، فمتاعب المهنة قد تبدو بسيطة عند وصفنا لما يعانيه الصحفي الفلسطيني في سبيل تأدية عمله. فأن الإحتلال الإسرائيلي يمارس جرائمه ضمن سياسة رسمية ممنهجة لدولة الاحتلال، تعنى بحجب الحقيقة، وتكميم الأفواه، ومصادرة الصورة القبيحة للإحتلال، وعدم نقلها للرأي العام. تصدرت جرائم قتل 17 صحافياً وعاملاً في الإعلام من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة الجرائم والانتهاكات التي تعرضت لها الحريات الإعلامية في فلسطين، فإن نسبة التجاوزات التي رصدت عام 2014 [3] .

      شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في اعتقال الصحفيين الفلسطينيين من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وأصبح الاعتقال الإداري كفوهة بندقية موجهة إليهم من خلال تجديده المتكرر كما يحدث مع الصحفي نضال أبوعكر، مدير إذاعة الوحدة ببيت لحم، والذي جدد اعتقاله الإداري للمرة الثالثة منذ اعتقاله نهاية يونيو2014. [4]

نطاق الحماية لحرية التعبير:

 

    أكدت المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) الحق في حرية التعبير التي نصت على أن " لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".

 

وجاء في المادة (19) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ما يلي:

1.     لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.

2.     لكل إنسان حق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دون ما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

3.     تتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة (2) من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محدودة بنص القانون أو تكون ضرورية .

أ.  إحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم

ب.  حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة أو الآداب العامة.

     توسعت المواثيق الإقليمية في ضمان وحماية حرية التعبير، فالمادة (10) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحمي حرية التعبير على مستوى الدول الأعضاء، والمادة (9) من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب تضمن الحق نفسه. وكذلك المادة (13) من الاتفاقية الأمريكية لحماية حقوق الإنسان تنص على أن: لكل إنسان الحق في حرية الفكر والتعبير ويشمل هذا الحق حريته في البحث عن مختلف أنواع المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دون ما اعتبار للحدود سواء شفهية أو كتابة أو طباعة أو في قالب فني و بأي وسيلة يختارها …

 

لقد وردت بعض القيود والاستثناءات على حرية الرأي والتعبير مثل بقية الحقوق والحريات، في نص المادة (29) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفقرة الثالثة من المادة (19) للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهو في مجموعها تحمي حقوق وسمعة الآخرين، والأمن القومي أو النظام العام أو الصحة والأخلاق العامة، وتعتبر حماية هذه الأغراض قيوداً مشروعة على حق التعبير وخاصة حرية الصحافة. وكذلك الفقرة (2) من المادة (10) لاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان نصت على أنه " يجوز إخضاع ممارسة هذه الحريات التي تتطلب واجبات ومسؤوليات لبعض الشكليات أو الشروط أو التقيدات أو المخالفات التي يحددها القانون والتي تعد في مجتمع ديمقراطي تدابير ضرورية لحفظ سلامة الوطن وأراضيه، والأمن العام وحماية النظام ومنع الجريمة وحماية الصحة والأخلاق وحماية الآخرين وسمعتهم وذلك لمنع إفشاء المعلومات السرية أو لضمان سلطة الهيئة القضائية ونزاهتها ".

 

إن الأمم المتحدة وكافة الدول الديمقراطية والرأي العام الديمقراطي في العالم كله يكاد يٌجمع على أن حق الرأي والتعبير هو الركن الأساسي في كافة الحقوق الممنوحة للإنسان في المواثيق والعهود الدولية. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن حرية التعبير هي حق إنساني أساسي... وهي محك الاختبار لكل الحريات التي كرستها الأمم المتحدة، أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على أن " حق حرية التعبير يشكل واحداً من الأسس الجوهرية للمجتمع الديمقراطي وأحد الشروط الأساسية لتقدم وتنمية الإنسان".

وهناك العديد من المعايير المتعارف عليها دوليا تضمن حماية حرية الرأي والتعبير نذكر منها [5] :

·        حق معارضي الحكومة في التعبير عن آرائهم ونشرها في وسائل الاتصال الجماهيرية التي تملكها الدولة، بما في ذلك الراديو والتلفزيون بالتساوي مع الآخرين (أي حزب الحكومة أو أي منظمة أخرى) وخاصة في أوقات الانتخابات العامة والمحلية).

·        حق الحصول على المعلومات وتأمين وصولها من مصادر الحكومة.

·        حماية الحريات الأكاديمية والعلمية والتعليمية والتعبير الفني والأدبي.

·   ضرورة حصول على دعم حكومي لحق التعبير على أسس غير سياسية ويهدف لتعزيز وضمان النعددية.

·     حماية حق التوزيع والنشر .

 

تأثير الحصار الإسرائيلي على حرية العمل الصحفي في قطاع غزة:

 

يمكن أن نجمل أهم تأثيرات الحصار الإسرائيلي على حرية العمل الصحفي في قطاع غزة على النحو التالي:

·        تأثير الحصار على تبادل الخبرات بين الكوادر الإعلامية في قطاع غزة ومثيلاتها في الخارج، فالكادر الاعلامي الموجود في قطاع غزة اعتمد ويعتمد على الخبرات السابقة الموجودة وعلى الإعلاميين الذين أتوا من الخارج، ولكن لا يوجد أي تطوير أو أية دورات خارجية للصحفيين لمتابعة أحدث التقنيات وآخر التطورات في العمل الصحفي، مما يحرمهم من فرص الاستفادة من الدورات التدريبية التي تكسبهم مهارات جديدة تمكنهم من تطوير أدائهم ومواكبة التطورات التكنولوجية.

·        منع قوات الإحتلال للصحفيين من الخروج من قطاع غزة وتقييد حركتهم، وحرمان الكثير منهم من المشاركة في الندوات والمهرجانات والمؤتمرات العالمية، وبالتالي أصبح دور الإعلام لا يرتقي إلى المستوى المطلوب.

·        المشاكل المالية التي تواجه الإعلاميين في ظل الحصار الإسرائيلي المشدد على قطاع غزة.

·        القرصنة واستخدام موجات البث: لم تكتفِ قوات الإحتلال بأشكال الإستهداف المباشر وغير المباشرة والذي مارسته بشكل منتظم طوال السنوات الماضية، بل لجأت لأسلوب جديد يتمثل في استيلاء قوات الإحتلال على ترددات البث المخصصة لفضائيات وإذاعات محلية فلسطينية والقيام ببث رسائل تهديد بالقتل وتحريض على المقاومة الفلسطينية، وبرزت هذه الظاهرة خلال الحرب على غزة ومن أهمها الاستيلاء على ترددات البث الخاصة بفضائية الأقصى.

الخلاصات والتوصيات

·        العمل على محاسبة الاحتلال في المحاكم الدولية على الجرائم الذي يرتكبها بحق الاعلاميين الفلسطينيين .

·        إن سمو المهنة الاعلامية توجب على المجتمع الدولي ضرورة الالتزام ببذل أقصى ما في وسعه لمنع وقوع جرائم ضد الصحفي والتحقق في أي جرائم ترتكب ضده وتقديم الجناة إلى المحاكمة.

·        العمل عل تفعيل دور نقابة الصحفيين  الفلسطينيين والعرب.

·   تشكيل مجلس اعلام عربي حر لا يتبع للأنظمة تكون مهمته تكريس المعاني والقيم المتعلقة بحرية الاعلام ويدافع عن حقوق الاعلاميين.

·   تفعيل دور المؤسسات المعنيّة بالدفاع عن حقوق الإنسان، وحماية الحريات الإعلامية محليا ودوليا،

 

بيروت، 2/3/2016

 

المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد"



[1] ترجمة خاصة لللمركزالفلسطيني للإعلام عن مركز حقوقي اسرائيلي، مؤشر تقييد حرية الصحافة في "إسرائيل"، 16/2/2016، أنظر،https://www.palinfo.com/news/2016/2/16/--%D8%B3%D9%85%D8%AD-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1-----%D9%85%D8%A4%D8%B4%D8%B1-%D8%AA%D9%82%D9%8A%D9%8A%D8%AF-%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%81%D9%8A--%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-

[2] وفا، التقرير السنوي لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية- فلسطين، 30/12/2015، انظر، https://www.maannews.net/Content.aspx?id=818283

[3] مركز الدوحة لحرية الاعلام، الصحافة الفلسطينية بين مطرقة الإحتلال وتغييب الحريات، سناء يساري،  24/5/2015.

[4]  الوطن، 17/4/2015، أنظر، http://www.elwatannews.com/news/details/711328

 

[5] دراسة مقارنة/ القضاء والإعلام حرية التعبير بين النظرية والتطبيق 2012/ المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى)، راجع الصفحات ص 24 و 25 و  ص29-33 و ص 43-47 و ص 66-69.