هدم منازل المقدسيين انتهاك للقانون الدولي الإنساني

هدم منازل المقدسيين انتهاك للقانون الدولي الإنساني

نظرة قانونية على جرائم الاحتلال الإسرائيلي

هدم منازل المقدسيين انتهاك للقانون الدولي الإنساني

مقدمة:

شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ اللحظات الأولى لاحتلالها القدس عام 1967، باتباع سياسة ممنهجة تجاه الفلسطينيين المقدسيين؛ بهدف إحكام السيطرة على مدينة القدس وتهويدها وتضييق الخناق على سكانها الأصليين؛ وذلك من خلال سلسلة من القرارات والإجراءات التعسفية والتي طالت جميع جوانب حياة المقدسيين اليومية، ومن بين هذه الإجراءات هدم سلطات الاحتلال الإسرائيلي المنازل والمنشآت الفلسطينية بعد وضعها العديد من العراقيل والمعوقات أمام إصدار تراخيص بناء لمصلحة المقدسيين؛ بهدف تحجيم وتقليص الوجود السكاني الفلسطيني في المدينة؛ حيث وضعت نظاماً قهرياً يقيد منح تراخيص المباني، وأخضعتها لسلم بيروقراطي وظيفي مشدد؛ بحيث تمضي سنوات قبل أن تصل إلى مراحلها النهائية. تهدف الخطة إلى طمس كل ما هو عربي في المدينة، وصبغها بطابع يهودي؛ بهدف زيادة نسبة السكان اليهود في المدينة لتصبح ذات أغلبية يهودية.

وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) هدم أو مصادرة 389 مبنى يملكه فلسطينيون بين شهري آذار وآب 2020، أي بمعدل 65 مبنىً شهريا كما تسببت سياسة الهدم بتشريد 442 فلسطينيا. وتشير أوتشا، إلى أن هدم المنازل خلال هذه الأشهر الخمسة يمثل أعلى متوسط لمعدل عمليات الهدم في أربعة أعوام: 52 مبنى عام 2019، 38 مبنى عام 2018 و35 مبنى عام 2018.[1] وبحسب العديد من الدراسات والتقارير الحقوقية بلغ مجموع المنازل والمباني التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة على مدى الخمسين عاماً الماضية: 50 ألف منزل وبناية. على الجانب الاخر تعتبر "الأمم المتحدة" 46 مجتمعا فلسطينيا "معرضا لخطر النقل القسري".

كما وثق مركز أبحاث الأراضي بين عامي 2000 و2017 هدم 1706 مساكن في القدس، بها 5443 غرفة بمساحة إجمالية نحو 170935 مترا مربعا، وهو ما كانت نتيجته تشريد 9422 فردا، بينهم 5163 طفلا. ورصد مركز المعلومات وادي حلوة خلال النصف الأول من العام 2020 نحو 236 قرار إبعاد، منها 206 عن المسجد الأقصى، و24 قرار إبعاد عن القدس القديمة، و6 عن القدس.

هدم المنازل والحجج القانونية:

هدم المنازل هو إجراء إداري يُطبّق دون محاكمة ودون الحاجة إلى إظهار أدلّة أيًّا كانت وذلك استنادًا إلى المادّة 119 من تعليمات الدفاع (أوقات الطوارئ) التي أصدرها الانتداب البريطاني عام 1945. بعد تسليم أمر الهدم للأسرة يمكنها تقديم اعتراض أمام القائد العسكري خلال 48 ساعة. في قرار محكمة العدل العليا من العام 1989، حكمت المحكمة أنّه عند رفض الاعتراض يجب إتاحة الفرصة أمام العائلة لتقدّم التماسًا لمحكمة العدل العليا، قبل تنفيذ الهدم. على مرّ السنين تمّ تقديم عشرات الالتماسات ضدّ هدم المنازل وطُرحت فيها حجج مبدئية تطعن في قانونيّة هذه الوسيلة ولكنّ محكمة العدل العليا رفضت تلك الإلتماسات.

في عام 2017 صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون "كمنتس" الذي يهدف إلى تسريع هدم المنازل الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948 عبر إعطاء أوامر هدم إدارية مباشرة من محاكم الاحتلال. هذا القانون يحرم الفلسطينيين من العودة للمحاكم لإلغاء الأمر. وعلى الرغم من أن القانون يستهدف بشكل أساسي تسريع عمليات الهدم إلا أنه يزيد كذلك من نسبة الغرامات المالية المفروضة على الفلسطينيين الذين شيدوا منازلهم دون ترخيص، حيث تعرقل سلطات الاحتلال فرص حصولهم على الترخيص لغرض إجبارهم.

صنفت سلطات الاحتلال الإسرائيلية أربعة أنواع لهدم المنازل وهي:

1. الهدم العسكري:وهو هدم البيوت على يد الجيش الاحتلال الإسرائيلي لأسباب عسكرية (بذريعة حماية الجنود والمستوطنات)؛ مع أن معظم سكان هذه المنازل أبرياء؛ ولكن إسرائيل تبرر هذه الأعمال تحت مسمى "أهداف عسكرية قانونية"، وهذا النوع من الهدم لا يطبق على وضع قرية سلوان فقط؛ بل هو سائد في كافة أنحاء الضفة الغربية ومناطق (ج).

2. الهدم العقابي:وهو هدم منازل العائلات الفلسطينية على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي بذريعة تنفيذ أبنائهم عمليات عسكرية ضد الإسرائيليين. وهذا النوع من الهدم ليس له أي أهداف عسكرية. وبالعودة إلى معاهدة جنيف الرابعة المادة (33): لا يجوز معاقبة أي شخص محمي، ضد جريمة لم يرتكبها شخصيا؛ وبالتالي فإن "الهدم العقابي" يعارض النظام الأساسي لهذه المعاهدة والمادة (50) من قرارات "لائحة لاهاي".

3. الهدم الإداري:وهو الأكثر شيوعاً، وينفذ هذا القرار بذريعة البناء دون الحصول على ترخيص، أو بذريعة المصلحة العامة. وتكمن السهولة في إصدار القرار الإداري للهدم بالاكتفاء بإصدار مهندس البلدية بلاغًا بهذه الحالات؛ في حين يقوم رئيس البلدية بدوره بالتوقيع عليه؛ مع أن "البناء بدون تراخيص" يجري أيضًا في المستوطنات بكثرة.

بموجب المادة 238 أ، يمكن لسلطات التخطيط تسليم إخطارات بالهدم بحق المباني الخاضعة للإنشاء أو التي تم الانتهاء منها أثناء الثلاثين يوماً المنقضية. وهذه "الأوامر الإدارية"، لا تحتاج لإشراف قضائي ويمكن إصدارها من قبل لجنة التخطيط التي يدخل في حيز اختصاصها المبنى المقصود. وتسري الأوامر لفترة ثلاثين يوماً فقط من تاريخ الإصدار وتسمح للسلطات بهدم المبنى بعد 24 ساعة من لصق مفتشي المباني للأمر على المبنى، إذا كان المبنى مبنياً دون تصريح، أو بعد 72 ساعة في كل الظروف الأخرى. ويترك هذا لملاك البيت وقتاً قليلاً لتحضير الهدم الوشيكة أو الطعن في الأمر لدى السلطات القضائية.[2]

4. الهدم القضائي:هو عبارة عن قرار قضائي يصدر عن المحاكم الإسرائيلية، ومنها: محكمة الشؤون المحلية، والمحكمة المركزية، والمحكمة العليا. ويأتي قرار الهدم القضائي عادة بعد الانتهاء من الإجراءات والقرارات الإدارية الصادرة عن بلدية القدس. وبموجب المادة 212، يحصل المسؤولون على أمر الهدم القضائي برفع دعوى ضد "المالك المجهول".

تعتبر سياسة هدم منازل المواطنين من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي أحد أبرز الممارسات اللا انسانية، والتي بدأت فصولها منذ أن احتلت اسرائيل الأراضي الفلسطينية سنة 1967 كنمط من انماط العقوبات الجماعية. انتهجت سياسة هدم المنازل بحجج مختلفة، منها: الذرائع الأمنية، أو بدعوى البناء دون ترخيص، أو لمخالفتها سياسة سلطات الاحتلال الاسرائيلية للإسكان او قرب هذه المنازل من المستوطنات أو لوقوعها بمحاذاة الطرق الالتفافية.. الخ. ما زالت سياسة الهدم تتواصل يوميا رغم المناشدات الدولية الداعية اسرائيل الى وقف سياسة هدم المنازل. فدعت السيدة فرحة ليلاني مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالسكن اللائق إلى "أن استخدام هدم المنازل كإجراء عقابي هو ببساطة شكل من أشكال العقاب الجماعي خلافا للقانون الدولي. وانه يجب على إسرائيل حالا وقف استخدامها لهذه الممارسة المدمرة"[3].

كما أنه في العام 2004، دعا مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة اسرائيل لوقف هدم المنازل الفلسطينية وفقا لقرار رقم 1544/2004، حيث نص القرار على أن مجلس الأمن دعا اسرائيل الى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الانساني ولا سيما الالتزام بعدم القيام بهدم المنازل خلافا لهذا القانون.

وعلى ضوء ما ذكر اعلاه، فان سياسة هدم المنازل والممتلكات العائدة للمواطنين الفلسطينيين تندرج تحت سياسة التطهير العرقي وتعتبر مخالفة جسيمة لنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحرم تدمير الممتلكات أيا كانت ثابتة أو منقولة.. الخ، وانتهاكاً صارخاً لنص المادة 17 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر بتاريخ 10/12/1948 والتي تنص على أنه "لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً "لذا، إن ما تقوم به اسرائيل من هدم لمنازل وممتلكات المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وما يترتب عليه من آثار سلبية يعد انتهاكا صارخا لقواعد القانون الدولي الانساني، حيث تحاول اسرائيل من خلال هذه السياسة تشريد المواطنين الفلسطينيين من اراضيهم وتهجيرهم وحرمانهم من حقهم الشرعي في العيش بأمن واستقرار.

كما تؤدي سياسة إلغاء الإقامات إلى تهجير الفلسطينيين قسريًا من القدس، وهو ما يعدُّ جريمة حرب بموجب "اتفاقية روما" الناظمة لمحكمة الجنايات الدولية؛ وانتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة. وبما أن سياسة إلغاء الإقامات هي جزء من سياسة شمولية ممنهجة تهدف لتهجير السكان الفلسطينيين المحميين، فقد ترقى أيضًا إلى جريمة ضد الإنسانية.

التوصيات:

v مطالبة المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة باتخاذ كل الاجراءات اللازمة لوقف السياسة الإسرائيلية الرامية الى تهويد الأراضي الفلسطينية وطرد أهلها الاصليين.

v مطالبة المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، إلى القيام بخطوات عملية، وفقاً لالتزاماتها القانونية، من أجل إجبار السلطات الإسرائيلية المحتلة على احترام تلك الاتفاقية، ووقف جميع السياسات التي تنتهك حقوق الفلسطينيين.

v التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه أمام المحاكم الدولية.

v نطالب السلطة الفلسطينية برفع ملف الجرائم الإسرائيلية إلى مجلس حقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية.

v مطالبة المجتمع الدولي بالعمل على وقف مشاريع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلال فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية، وتجريم التعامل والاتجار معها.

v توحيد الخطاب السياسي والإعلامي لكشف جرائم وممارسات قوات الاحتلال، والمضي قدماً في التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية وتقديم الملفات التي تم إعدادها بجميع جرائم الاحتلال.

v تحميل الاحتلال الاسرائيلي بصفته القوة القائمة بالاحتلال، مسؤولية توفير الحماية للسكان المدنيين.

v ضرورة اتخاذ حكومة الاحتلال الإسرائيلي جميع التدابير التي تضمن إنفاذ القانون على المستوطنين وحماية السكان المدنيين الفلسطينيين من ارتكاب المزيد من الاعتداءات بحقهم.

v نطالب المجتمع الدولي بالعمل المشترك من أجل تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الشعائر الدينية



[3] خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان : إستهداف منازل الفلسطينيين بالهدم يجب أن يتوقف، انظر الرابط، https://www.ohchr.org/ar/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx?NewsID=15340&LangID=A