عندما يصبح التحريض على القتل والتهجير القسري سياسة رسمية إسرائيلية

تصاعدت التصريحات التي تصدر عن قادة سياسيين ودينيين تدعو إلى الفتك بالفلسطينيين وتهجريهم. واعتبرت هذه التصريحات بمثابة محفز للقيام بجرائم. وفي الوقت الذي لم يتم التنديد بهذه التصريحات، أصدر قادة دول غربية تفهما لهذا الغضب الإسرائيلي بل وتم تبني  دعاية الاحتلال، ما شجع الاحتلال على المضي قدما في جرائمه. 

يرصد هذا التقرير أهم التصريحات ودلالاتها التطبيقية ثم يبحث في التكييف القانوني لها  ويطرح تساؤلات عن آلية لمحاسبة  القانونية.

 

أولا: أهم التصريحات التي اعتبرت تحريض على القتل:

1. تصريحات وزير الأمن القومي - بن غفير (منذ 7/10/2023)

  - توزيع السلاح على المستوطنين على جميع الأراضي الفلسطينية. [1]

   - تأثير مباشر على الأمان والاستقرار، يُعتبر هذا الفعل تحريض على قتل الآمنين من الشعب الفلسطيني (تحريض على القتل).

 

2. تصريحات وزير الدفاع - يوآف غالانت (9/10/2023) [2]

   -فرض حصار كامل على قطاع غزة: يحرم هذا القرار المدنيين من سكان قطاع غزة البالغ عددهم حوالي 2.2 مليون نسمة من المقومات الأساسية للحياة (مياه، طعام،....) بما يتعارض مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. (هو حصار غير قانوني يشكل قوبة جماعية)

   - تصريح بأن الفلسطينيين هم "حيوانات بشرية": يحط هذا التصريح من الكرامة الإنسانية كما يشجع جنود الاحتلال على ارتكاب جرائم تحت حجة أنهم حيوانات بشرية شرسة.

 

3. تصريحات النائبة عن الليكود - ريفيتال "تالي" جوتليف [3] (11/10/2023)

   - دعوة لاستخدام كل الوسائل العسكرية، بما في ذلك الصواريخ غير المحدودة: استهداف لسكان قطاع غزة وأعيانهم المدنية دون تفريق، مما يتناقض مع مبادئ الحرب التي تنص على التوازن في استعمال القوة، فضلاً عن مبدأ حماية المدنيين.

 

4. تصريحات وزير الأمن القومي -بن غفير [4] (31/10/2023)

   - رفض دخول أي مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة: يؤدي هذا التصريح الى إحكام الحصار على قطاع غزة وزيادة معاناة المدنيين داخل القطاع بمن فيهم الجرحى والمرضى.

- دعوة للقضاء ليس فقط على قيادات ومقاتلي المقاومة، بل المؤيدين لهم من المدنيين الفلسطينيين وحتى "من يوزعون الحلوى" .

5. تصريحات وزير التراث - عميحاي إلياهو [5] (5/11/2023)

   - إلقاء قنبلة نووية على غزة: دعوة صريحة لإبادة جميع سكان قطاع غزة.

   - إعادة إقامة المستوطنات في قطاع غزة: تصريح يعكس نهجاً سياسيًا واقتصاديًا يهدف إلى توطين المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

6. تصريحات وزير المالية - سموتريتش [6] (6/11/2023)

   - طالب بإقامة مناطق عازلة حول مستوطنات الضفة ومنع العرب من الاقتراب منها: عزل الفلسطينيين عن العالم الخارجي، وإقامة حصار جديد في الضفة مشابه لحصار قطاع غزة.

وهذه التصريحات العنصرية تجاه الفلسطينيين ليست الوحيدة والجديدة من نوعها، فالمواقف التحريضية التي ينتهجها القادة السياسيون والدينيون تتجدد دائماً، وفيما يلي بعض التصريحات السابقة لمسؤوليين إسرائيليين:

1-     في 1/3/2023 قال سموتريتش: "قرية حوارة يجب أن تُمحى، أعتقد أن على دولة إسرائيل أن تفعل ذلك وليس، لا سمح الله، أفراد عاديين".

2-     في 19/8/2023 دعا رئيسُ حزب شاس المتطرّف إيلي يشاي إلى حرب شاملة على قطاع غزة، قائلًا: "يمكن تدمير غزة كي يفهموا أنّه يجب ألا تتمّ إغاظتنا، يجب تسويتهم بالأرض، ولتهدم آلاف المنازل، والأنفاق والصناعات."

 

ولا تقتصر التصريحات التحريضية على القادة السياسيين الإسرائيليين، فإن عدد كبير من الحاخامات في إسرائيل يتخذون مواقف تدعو إلى  تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، ويصدرون فتاوى عنصرية متطرفة حيالهم.

·       في سنة 2000، أفتى "عوفاديا يوسف" الحاخام الأكبر والأب الروحي لحزب "شاس"، بأن العرب والفلسطينيين " شرٌ مطلق، وأنهم يضرون ولا ينفعون؛ بل هم كالأفاعي السامة، يقتلون ويغدرون، ويؤذون ولا ينفعون، وأنه ينبغي على اليهود وضع الفلسطينيين في زجاجةٍ مغلقة، ليمنعوا شرهم، ويصدوا خطرهم، ثم ليموتوا خنقاً فيها".

·       أفتى الحاخام "دوف ليئور"، حاخام مستوطنة "كريات أربع" المقامة على أراضي الخليل بأن "من يتفاوض مع الوحوش"، أي مع العرب، "خائن ونذل وجبان"، كما أفتى "بـوجوب تدمير غزة عن بكرة أبيها لتحقيق سلام إسرائيل".

·       وفي سنة 2014، أفتى حاخام المدرسة الدينية في مستوطنة "يتسهار"، "يتسحاق جينزبورج"، بأن كل فلسطيني، صغيراً كان أو كبيراً، "يشكل خطراً على مستقبل إسرائيل، وينبغي قتلهم جميعاً بلا رحمة".

·       بينما أفتى الحاخام "شموئيل الياهو"، الذي يعمل حاخاماً لمدينة صفد في آب/أغسطس 2017، في برنامجه الأسبوعي الذي يذاع على إذاعة "أمواج إسرائيل"، التي تبث من استديوهاتها في مستوطنة "جفعات زئيف" في القدس المحتلة، "بتحريم جلوس اليهود مع العرب على الطاولة نفسها"، مضيفاً بأن الفلسطينيين "وحوش وقتلهم والانتقام منهم فريضة دينية".

·        وذهب الحاخام "أليعزر كشتئيل"، رئيس "أكاديمية بني ديفيد" في مستوطنة "عيلي"، في سنة 2019 إلى حد تصوير العرب بـ "العبيد"، وتصوير اليهود بـ "السادة"، معتبراً أن من الأفضل للعرب "أن يكونوا عبيداً لليهود"، وأنه يتوجب على العرب أن "يكونوا تحت الاحتلال؛ فهم لا يستطيعون إدارة الدول، وغير قادرين على فعل أي شيء؛ نحن نؤمن بنظرية التفوق العرقي. [7]

 

تعتبر هذه التصريحات العنصرية والمحرضة على العنف والقتل تجاه الفلسطينيين انتهاكا لروح منظومة حقوق الإنسان الدولية التي تدعو للحفاظ على الكرامة الإنسانية. وفيما يلي سنذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر.

حظرت المادة الـ 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالقانون أي دعاية للحرب، وأي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف. كما شجبت المادة 4 من الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري، جميع الدعايات والتنظيمات القائمة علي الأفكار أو النظريات القائلة بتفوق أي عرق أو أية جماعة من لون أو أصل اثني واحد، أو التي تحاول تبرير أو تعزيز أي شكل من أشكال الكراهية العنصرية والتمييز العنصري.

وشددت لجنة القضاء على التمييز العنصري [8] في التوصية رقم 35 للعام 2013 على دور خطاب الكراهية العنصرية في العمليات التي تؤدي إلى الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان والإبادة الجماعية، وفي حالات النزاع. هذا وأكدت المادة الـ 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن من حق الناس جميعاً التمتُّع بالحماية من أيِّ تمييز ومن أيِّ تحريض.

تشكل  هذه التصريحات أرضية خصبة للقتل وهي جريمة بالمعنى الجنائي، حيث تتوافر فيها الشروط الثلاثة التالية التي تُبنى عليها تهمة التحريض:

1.      أن يكون التصريح موجهاً إلى شخص أو مجموعة من الأشخاص.

2.      أن يكون التصريح يتضمن دعوة صريحة أو ضمنية إلى قتل شخص معين.

3.       أن يكون التصريح قادراً على إثارة الاستجابة لدى الشخص أو المجموعة الموجهة إليه

 

وكان من المتوقع أن تلقى تصريحات القادة السياسيين أو الدينيين الإسرائيليين رفضاً دولياً واسعا خصوصا من قبل الدول الغربية، خاصة أن هذه التصريحات ترافقت مع سلوك إجرامي على الأرض ما يعني أنه كان لها أثر في انتهاك حقوق الفلسطينيين، ومع ذلك فقد وقف قادة الدول الغربية بقوة إلى جانب الاحتلال خصوصاً الولايات لمتحدة الاميركية والتي تبنت الرواية الإسرائيلية بالكامل لجهة ما ادعت أن المقاومة الفلسطينية قطعت رؤوس الأطفال وكذلك عدد الضحايا أو لجهة استهداف المستشفى المعمداني أو لجهة اقتحام مستشفى الشفاء  أو لجهة حقها في الدفاع عن نفسها بغض النظر عن تجاوز الاحتلال الفاضح لهذا الحق، وغيرها. ومع أنها في كل مرة كانت تتراجع عن تبينيها للرواية الإسرائيلية الكاذبة إلا أنها مضت في دعمها اللا محدود لعمليته العسكرية ضد سكان قطاع غزة.

إنَّ عدم تجريم خطاب الكراهية والتحريض على القتل (دوليًا)، سيعني تشجيعًا على ارتكاب جرائم أخرى بحقّ الإنسانية، وهو ناقوس خطر سيدقّ في أي لحظة مُخلّفًا المزيدَ من الحروب القائمة على الكراهية. ورغم تدخل العوامل السياسيّة، وهي التي تحول دون تحقيق العدالة، فإنَّ ثمة خيارات ممكنة:

1-     طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن التحريض على الكراهية.

2-     اللجوء الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) التي يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تجريم خطاب الكراهية في الدول الأعضاء في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان(ECHR).

3-     الإدانات العلنية لخطاب الكراهية والدعوة للقتل من قبل سياسيين وإعلاميين ومؤثرين.

4-     إنشاء آليات دولية قوية لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض على القتل، كإنشاء آلية تابعة للأمم المتحدة لرصد ومتابعة خطاب الكراهية والتحريض على القتل.

 

 



[1]  RT-online، بن غفير يبدأ حملة لتوزيع 10 آلاف قطعة سلاح على المستوطنين؛ لقراءة المزيد: https://2u.pw/ofjZ2S5

[2]  France 24 ،وزير الدفاع الإسرائيلي: حصار كامل على غزة، لا كهرباء، لا طعام ولا ماء ولا غاز، لقراءة المزيد: https://2u.pw/gRksZep

[3]  هبة بريس، نائبة إسرائيلية تدعو لاستخدام صواريخ "يوم القيامة” النووية؛ لقراءة المزيد: https://2u.pw/TaOu1oy

 

[4]  Euronews،وزير الأمن القومي الإسرائيلي بن غفير يدعو إلى احتلال غزة وتسليح المستوطنين؛ لقراءة المزيد: https://2u.pw/L4ScTzP

[5]  الجزيرة، وزير إسرائيلي يدعو لقصف غزة بقنبلة نووية وردود فعل غاضبة؛ لقراءة المزيد: https://2u.pw/zTPlC4t

[6]  الجزيرة، وزير إسرائيلي يطالب بإنشاء مساحات عازلة ومنع العرب من دخولها؛ لقراءة المزيد: https://2u.pw/M4huRBT

[7]  مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم: موقف عنصري وضرورة سياسية؛ لقراءة المزيد: https://2u.pw/zASSOEO